الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 471، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
محمد بن بشار العبدي كان حافظا ثقة من أهل البصرة، جمع حديث أهل بلده ولم يرحل، وتوفي سنة 252 هـ. كان يعتمد على حفظه، وهذا قد يؤدي إلى الوقوع في الخطأ كما هو الحال مع الأئمة الكبار.
يبرز المقطع مكانة يزيد بن هارون وسليمان التيمي في العراق، ويتحدث عن ثناء الإمام أحمد على يزيد بن هارون، كما يشير إلى دور سليمان التيمي في توجيه سفيان الثوري. هؤلاء العلماء كان لهم تأثير كبير على السلف.
يروي سمرة بن جندب أن الصحابة كانوا يأكلون من قصعة واحدة من الصباح حتى المغرب وتكفي لعدة مجموعات، وكان الطعام يتكاثر ببركة من السماء. هذه الأحداث تعتبر من معجزات النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا محمد بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، وهو محمد بن بشار العبدي، أبو بكر البصري، وكان حافظا من حفاظ أهل البصرة، وكان يحفظ حديث أهل بلده، فهذا قيل له: بندار، وهو جامع الحفظ؛ لأنه جمع حديث أهل بلده ولم يرحل، وهذا من نعمة الله عز وجل عليه. وكذلك برّ بأمه، فلم يرحل، عوضه الله عز وجل بهذا العلم الذي لا يكاد أن يوجد عند غيره. وكذلك الرواة الذين يروون عنه خمس طبقات من طبقات أهل العلم ممن تقدمه وممن هو مثله، وكذلك دونه. وعمر رحمه الله ومات سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وعاش أكثر من خمس وثمانين سنة، فأدركه الصغار كما يقال: أدرك الأحفاد بالأجداد. فكان حافظا من حفاظ البصرة، وجاءه الناس إليه من كل مكان. وتكلم فيه بعض أهل العلم كيحيى بن معين، وكذلك القوارير، لكنه لم يؤخذ بكلامهم لثقته. وإن كان أخطأ في بعض الأحاديث، لكن الخطأ وارد على كل أحد. ولهذا فهو حافظ، وثقة، ثبت، لكنه حصل منه بعض الأخطاء في الأحاديث. وأيضا الاعتماد على حفظه، بخلاف أبي موسى العنزي صاحبه، أو الذي ينافسه في الحفظ، وكان بينهما شيء. أبو موسى كان يعتمد على كتابه ويقرأ من كتابه، بخلاف محمد بن بشار، كان يعتمد على حفظه. والغالب الذي يعتمد على حفظه يحصل له الخطأ، بخلاف الذي يعتمد على كتابه؛ لأن كما يقول السلف: الحفظ وهم. لما سئل محمد رحمه الله: إلى متى يحفظ الشخص؟ قال: كم سيحفظ؟ إذا حفظ لا بد أنه سيقع في الوهم. وقد وقع في الوهم الأئمة الكبار المتقنون، كمالك وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم من أئمة الإسلام. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، أبو خالد الواسطي، أحد الأئمة الأعلام في العراق، وحد الحفاظ الكبار الذين حفظوا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغوه، مع فقه. كان يقول الإمام أحمد: إن يزيد كان فقيها، وكان حافظا كبيرا، إلا أنه في آخر عمره عمي، فكان تلقينه أحيانا جارية. وإلا فهو حافظ كبير، وممن صار من كبار الحفاظ في البصرة، حتى أنه يقارن بهشيم وإسماعيل بن علية. وكان الإمام أحمد يثني عليه كثيرا، يثني عليه في حفظه، وكذلك في سيرته وهديه. وكانت له مكانة عظيمة في العراق، حتى عند الأمراء، حتى أن المأمون العباسي قال: لولا مكانة يزيد بن هارون، لأعلنت القول بخلق القرآن. فلما مات يزيد، أعلن... كان يخاف ويهاب يزيد بن هارون. قال: أخبرنا سليمان التيمي، سليمان بن طرخان التيمي، وهو ليس تيميا، إنما أصله ليس تيمي، وإنما سكن بجوارهم، فقيل له: التيمي. وكان من ثقات البصرة وعبادهم. يقول شعبة: ما جلسنا عند أحد أخوف لله من سليمان التيمي. وكان رجل عابد. قال حماد بن سلمة: ما جئنا سليمان التيمي في وقت عبادة أو في وقت طاعة، إلا رأيناه يطيع الله عز وجل فيها. وكان صاحب صلاة، كثير الصلاة، رحمة الله عليه، وهو أيضا ثقة. وكان أيضا من أهل البصرة المعدودين، روى عن أنس بن مالك. يعتبر من أئمة أهل البصرة الذين لم يصابوا بالقدر؛ لأن القدر انتشر في البصرة، لكن سليمان التيمي من أئمة أهل البصرة الذين لم يصابوا بالقدر. ولهذا نفع الله عز وجل سفيان الثوري بسليمان التيمي، وأيوب، وابن عون، ويونس؛ لأن انتفع بهم كثيرا، وإلا كان على غير الطريق الصحيحة. فلما جاء إلى البصرة وأخذ العلم عن سليمان التيمي، ثم أيضا أخذ عن أيوب، وابن عون، ويونس، وهؤلاء أصغر منهم، لكنهم كانوا أئمة أهل البصرة، فأخذ عنهم سفيان، فانتفع بعلمهم. جمع لهذا كما ذكرنا قبل أن سفيان الثوري يقال: إن علمه بصري؛ لأن أول من أخذ عنه الحديث من مشايخه هم من مشايخ البصريين: سليمان التيمي، وأيوب، ويونس، وابن عون، فانتفع بهم أعظم انتفاع، انتفع بهم في الحديث والسنة، وكذلك أيضا في الطريقة الصحيحة والتوجه إلى الله جل وعلا. قال: عن أبي العلاء، وهو ابن يزيد بن الشخير، لا يعرف اسمه على الصحيح، أنه لا يعرف اسمه، وهو أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وأبوهما صحابي، وهم أهل بيت علم. ومطرف أكبر منه وأفضل وأشهر منه في الخير والحديث، وكذلك أيضا في الزهد والعبادة. وكان أصحب لعمران بن حصين من أبي العلاء، وكان أبو العلاء أيضا يروي عنه، يروي عن مطرف، يروي عن أخيه مطرف. قال: عن أبي العلاء، عن سمرة بن جندب، قال: كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام نتداول في قصعة من غدوة حتى الليل، تقوم عشرة وتقعد عشرة. قلنا: فما كانت تمد؟ قال: من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا منها هنا، وأشار بيده إلى السماء. قال: هذا أبو عيسى، هذا حديث حسن صحيح. وبالعلا اسمه يزيد. أنا يزيد اسمه هنا أخطأ، لا يعرف، لكن أشهر من اشتهر بالكنية، اسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير. قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وهذا الحديث في معجزة للنبي، أو آية من الآيات التي حصلت للنبي عليه الصلاة والسلام في تكثير الطعام. فأولاد الصحابة يذكر سمرة أنه كانت معهم قصعة، والقصعة هو الإناء الذي يشبع خمسة، إذا أكل خمسة في هذه القصعة أشبعهم. فمعهم هذه القصعة يأكلون ويتداولونها من غدوة حتى الليل، غدوة معنى من الصباح حتى وقت المغرب، وهم يأكلون من هذه القصعة، تقوم عشرة وتقعد عشرة. وهذا يدل على أنهم كانوا كثيرا، فيقعدون عشرة ويأكلون من هذه القصعة، ثم تقعد عشرة ويأكلون من هذه القصعة. والظاهر أن المراد أنه ليس مباشرة، أن ليس كلهم في وقت واحد أو في وقت مباشر، وإنما بحسب جلوسهم للطعام، فإنهم كانوا يأكلون من هذه القصعة من الصباح إلى المغرب، يعني إذا جلسوا في وقت أكل، أكلوا ويأكلون من هذه القصعة، يجلسون عشرة يأكلون فيها، ثم يذهبون ويأتي عشرة آخرون ويأكلون من هذه القصعة. وهذه بركة من السماء، بركة من الله عز وجل يمد هذه القصعة بالطعام. وهذا كما قال سمرة بن جندب رضي الله عنه: من أي شيء تعجب؟ أي العجب في ذلك عظيم وكثير. من أي شيء تعجب؟ هل من تكثير الطعام أو من كثرة من يأكل أو من غيرها؟ فقال: ما كانت تمد إلا منها هنا، وأشار بيده إلى السماء. فكما قلنا: فيه تكثير الطعام الذي كان يأكله النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. وهذا قد حصل كثيرا، تكثير الطعام قد حصل كثيرا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ما حصل عندما كان يحفرون المسجد، وكانوا يعملون في المسجد، وكذلك ما حصل عندما كانوا يحفرون الخندق، وغيرها من المواقف العظيمة التي حصلت للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في تكثير الطعام. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.