أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 136

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 136

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 136، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

دليل الميزان من السنة: حديث البطاقة وتسعة وتسعين سجلاً

يشرح المقطع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يصور مشهد الميزان يوم القيامة، حيث يُخرج لرجل تسعة وتسعون سجلاً من السيئات كلٌّ منها مد البصر، فتُوضع في كفة، وتوضع في الكفة الأخرى بطاقة فيها الشهادتان فترجح البطاقة، دليلاً على عظمة التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فوائد حديث الميزان وفضل التوحيد وابتداء حديث السواك

يستعرض المقطع فوائد حديث البطاقة والتسعة والتسعين سجلاً، مبيناً إثبات الميزان وكفتيه، ووزن الصحف، وفضل شهادة التوحيد بشرط الإخلاص والصدق واليقين، وعدل الله ورحمته، وإقامة الحجة على العباد. ثم يشرع في ذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن السواك وقصة صعوده شجرة الأراك وخفة ساقيه.

فضل ابن مسعود وثقل أعماله في الميزان والعبرة بالعمل لا بالصورة

يبيّن المقطع فضيلة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأن ساقيه الدقيقتين أثقل في الميزان من جبل أحد بفضل إيمانه وعمله، ويؤكد أن العبرة يوم القيامة بالأعمال والقلوب لا بالأجسام والأموال، مستدلاً بحديث الرجل السمين العظيم الذي لا يزن جناح بعوضة لسوء عمله، وبأحاديث أخرى تثبت وزن الأعمال والأقوال وحسن الخلق في الميزان.

خاتمة الدرس وتأكيد إثبات مسائل الإيمان باليوم الآخر

أشار المتحدث إلى أن أحاديث كثيرة أخرى تثبت هذه المسألة التي تندرج ضمن الإيمان باليوم الآخر كما سبق بيانه، ثم أعلن الاكتفاء بهذا القدر وإنهاء الجلسة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ حافظ حكمي حماه الله تعالى من كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال: مئة وإحدى وعشرون: ما دليل ذلك وصفته من السنة؟ أي: دليل الميزان ووزن الأعمال من السنة. قال: الجواب: فيه أحاديث كثيرة، منها حديث البطاقة التي فيها الشهادتان، وأنها ترجح أو ترجح بتسعين سجلاً من السيئات، كل سجل منها مد البصر. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم في ابن مسعود رضي الله عنه: «أتعجبون من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد». وقال صلى الله عليه وسلم: «إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة». قال: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾. وغير ذلك من الأحاديث. المؤلف في هذا الباب "باب ذكر أدلة الميزان من السنة" ذكر ثلاثة أحاديث. فالحديث الأول، وذكره مختصراً، هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما. وهذا الحديث رواه الترمذي، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في "صحيح الترمذي". يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث... ولا بأس أن نذكره بتمامه بما فيه من الفوائد وكذلك المباحث. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله... إن الله سيخلص رجلاً من أمتي»؛ يخلص: يعني ينقي، يختار، أو نحو ذلك، رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق. «على رؤوس الخلائق»: يعني على رؤوس الناس الأشهاد يوم القيامة. وقوله هنا: «من أمتي»: أي أمة الإجابة، أي من أهل التوحيد والإيمان. قال: «فينشر عليه... أو فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر». يعني: يؤتى بتسعة وتسعين سجلاً، أي صحيفة، وكل سجل منها مد البصر، أي صحيفة كبيرة طويلة، مد البصر: يعني مسافة لا بأس بها، مسافة لا بأس بها. وهذه السجلات مليئة بسيئاته، مليئة بسيئاته. انظروا إلى هذا الوصف: تسعة وتسعين سجلاً، كلها أعمال مسجلة عليه، وهي في كفة السيئات، في كفة السيئات. ثم يقول: أي الله عز وجل: «أتنكر من هذا شيئاً؟ هل في هذه السجلات شيء لم تعمله؟ وإنما زيد عليك». فيقول: «لا، يا رب». فيقال: ﴿ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِ الْحَافِظُونَ ﴾؛ أي الملائكة الذين وكلهم الله عز وجل في هذه الدنيا بكتابة أعمال العباد. هل ظلموا؟ سجلوا شيء لم تعمله أو أضافوا شيئاً لم تفعله؟ ﴿ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِ الْحَافِظُونَ ﴾. فيقول: «لا، يا رب». فيقول الله عز وجل: ﴿ أَفَلَكَ عُذْرٌ ﴾؟ هل عندك عذر؟ فيقول: «لا، يا رب». فيقول الله عز وجل: «بلى، بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم. إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم اليوم عليك». قال: «فتخرج بطاقة». بطاقة: يعني سجل صغير. بطاقة، سجل صغير، فيها: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله». فيقول: «أحضر وزنك»؛ أي: سأزن هذا، سأزن هذا مقابل تلك التسعة والتسعين السجل. فيقول هذا الرجل: «ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ ماذا ستغني هذه بطاقة صغيرة واحدة مع تسعة وتسعين سجلاً؟ السجل الواحد مد البصر، ماذا ستغني هذه البطاقة؟» هكذا قال هذا الرجل. فيقال له: «إنك لا تظلم». فتوضع السجلات في كفة: تسعة وتسعين سجلاً توضع في كفة، والبطاقة في كفة، البطاقة في الكفة الثانية وحدها، وحدها هذه البطاقة. وتصور هذه الكفة فيها تسعة وتسعين سجلاً من السيئات، من السيئات. قال: «فطاشت السجلات». طاشت: أي خفت، ورجحت أو وثقلت البطاقة. رجحت البطاقة ووزنت البطاقة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فلا يثقل مع اسم الله شيء». هذا الحديث فيه عدة فوائد: من فوائد هذا الحديث ما مر معنا من إثبات الميزان، وأن له كفتين، وأن له كفتين، هذا مما يدل عليه هذا الحديث، هذا الحديث. وفيه أن مما يوزن الصحف، مما يوزن الصحف. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فيه فضل الشهادة وكلمة التوحيد، وهذا إنما يكون في حق من أتى بها بإخلاص وصدق ويقين، وصدق ويقين. فهذا الرجل وفق إلى قول «لا إله إلا الله» بصدق ويقين وإخلاص، ولم يأتِ بعدها بما يناقضها أو يضعفها. حتى ذكر بعض شراح الحديث أن هذا الرجل تاب عليها، بمعنى أن آخر ما كان في حياته تحقيق هذه الكلمة بصدق وإخلاص ويقين. فليست هذه الكلمة كلمة لاك باللسان، أو كلمة تدعى باللسان، وإنما هي حقيقة وعمل وصدق ويقين وإخلاص. وكما تقدم معنا في شروط هذه الكلمة: فمن لقي الله عز وجل بهذه الكلمة خالصاً فيها، موقناً بها، مخلصاً فيها، وصادقاً فيها أيضاً، فإنه بإذن الله عز وجل ينجو من عذاب الله، وترجح أو يرجح ميزانه بإذن الله سبحانه وتعالى. ففي ذلك فضل التوحيد، في ذلك فضل التوحيد، وهذه الكلمة، وهذه الكلمة. وفي هذا الحديث أيضاً: فيه عدل الله عز وجل، ورحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، وأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئاً، سبحانه وتعالى. فهذا الرجل لما كانت معه هذه الحسنة كانت سبباً في نجاته في ذلك الموقف العصيب، في ذلك الموقف العصيب. وفي هذا الحديث أيضاً: تقرير العبد بذنوبه وسيئاته، والله عز وجل أعلم بعمل هذا الإنسان. ولكن كما تقدم: إنما شرعت، أو شرعت هذه الأمور في يوم القيامة من الميزان، ومن كذلك الحساب ونحو ذلك، حتى تقام الحجة على العباد، وحتى يظهر عدل الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم العظيم، في ذلك اليوم العظيم. فهذا أيضاً مما يدل عليه هذا الحديث. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى حديثاً آخر من الأحاديث الدالة على الميزان، وهو حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنهما لأثقل في الميزان من أحد». وتمام هذا الحديث وهو رواه الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني: أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كان يجتني سواكاً. ومعنى «يجتني سواكاً»: يعني يقطف سواكاً من الأراك. أي: صعد ابن مسعود شجرة الأراك، فإن شجرة الأراك إذا كبرت وارتفعت من الأرض فإنها تكون شجرة عالية تعلو وترتفع. فابن مسعود أراد سواكاً كي ينظف فاه، وكي يصيب السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على السواك، كقوله عليه الصلاة والسلام: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، وعند كل صلاة». وهكذا غير من الأحاديث. فابن مسعود صعد هذه الشجرة كي يقطف له سواكاً ويختار السواك الجيد. نعم، وكان دقيق الساقين، يعني نحيف الساقين، كان هزيلاً ضعيفاً. وجاء في بعض الروايات: «فنظر أصحابه إلى حموشة ساقيه»، والحموشة هي بمعنى دقة الساقين، بمعنى دقة الساقين. فكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، يعني جعلت الريح تحركه يميناً وشمالاً لخفة وزنه، لخفة وزنه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فلما رأى الصحابة ذلك ضحكوا، ضحك الصحابة، فضحك القوم منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مما تضحكون؟ مما الذي يضحككم؟» قالوا: «يا نبي الله، من دقة ساقي... ساقي عبد الله بن مسعود». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لهما... أي: هذان الساقان، أثقل في الميزان من أحد، أثقل في الميزان من أحد». وهذا يدل على فضيلة لابن مسعود، فضيلة لابن مسعود، فهو من السابقين الأولين ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول دعوته في مكة، وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك غلام معلم»، وهو الذي كان ممن يجيد قراءة القرآن، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على أخذ القرآن منه: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه من ابن أم عبد»، وهو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. فله فضائل كثيرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فلذلك نال هذه الفضيلة العظيمة، وأن ساقيه أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد. وقد تقدم معنا أن هذا الحديث استدل به أهل السنة على أن مما يوزن أيضاً العامل، مما يوزن أيضاً يوم القيامة العامل. مرت معنا هذه المسألة: أن الصحيح أن الذي يوزن هو العمل والصحف، وكذلك العامل، ولكل ذلك أدلة مرت معنا في ذكر مباحث الميزان. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً مما يستفاد: أن العبرة بالعمل لا بالصورة والجسد، لا بضخامته، ولا كذلك بسمنه، وإنما العبرة بعمل العامل. فانظر إلى عبد الله بن مسعود مع دقة ساقيه، إلا أن هذين الساقين يوم القيامة أثقل في الميزان من أحد، وهي ساقان دقيقتان، وساقان كذلك صغيرتان، ومع هذا فهما ثقيلتان في الميزان، ثقيلتان في الميزان. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، إلى قلوبكم وأعمالكم». ولذلك أورد المؤلف أيضاً حديثاً ثالثاً بعد حديث ابن مسعود، وهو حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إنه ليأتي الرجل السمين العظيم»؛ سمين: جسمه كبير، السمين: يعني كثير اللحم والشحم، وعظيم: أي كبير الجسم، كبير الجسم. فيأتي هذا الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. انظر: هي البعوضة لا وزن لها أصلاً، من أشد الحيوانات امتهاناً وأهونها وأضعفها خلقاً، ومع هذا ليست وزن البعوضة، إنما وزن الجناح. هل له وزن الجناح؟ لا يعادل شيئاً، الشيء لا يذكر، شيئاً لا يذكر أصلاً. فهذا الرجل، أنظر: سمين، عظيم، كبير الجسم، لكنه لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة، جناح بعوضة، لأن أعماله أعمال سوء، والعياذ بالله. فما أغنى عنه جسده، ولا سمنه، ولا كذلك عظيم جسده، ما نفعه ذلك، لأن العبرة كما تقدم إنما تكون بالأعمال وبالحسنات، لا بء الأجساد، ولا بء الأموال، ولا بء الأولاد، ولا بء كذلك النسب والحسب والوجاه في الدنيا أبداً. يوم القيامة ما ثم إلا الحسنات والسيئات. وقول المؤلف: «وغيرها من الأحاديث»... طبعاً مر معنا أحاديث كثيرة في أمر الميزان، منها: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وقوله: «ثقلتا في الميزان»، تدل كذلك على إثبات الوزن. وهكذا غيرها من الأحاديث التي جاءت في صلاة الجنائز، أو كذلك في حسن الخلق، وأن حسن الخلق أثقل... أثقل شيء في الميزان يوم القيامة حسن الخلق. نعم، فغيرها من الأحاديث كثير يدل على إثبات هذه المسألة، التي هي من المسائل التي هي من الإيمان باليوم الآخر، كما مر معنا. خير، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.