الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح أهمية الرفق في الدعوة إلى الله، مستشهدا بحديث عائشة رضي الله عنها، ويبين أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالرفق في التعامل مع الآخرين. يشدد على أن الرفق هو الأصل في التعامل حتى مع الكفار.
يُناقش أهمية تحلي الداعية باللين والرفق، مع استخدام الشدة ضد أهل الباطل، ويُشدد على تجنب الفحش واللعن، مستشهدًا بأحاديث نبوية تُوضح صفات المؤمن. المؤمن ليس بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش.
أشار الإمام ابن القيم في كتابه جلاء الأفهام إلى موضوع مهم، وقد أثنى عليه ونبه عليه، مما يدل على أهمية هذا الكتاب في فهم بعض القضايا.
قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: وعن عبد الوهاب، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها أن يهودا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أسام عليكم. فقالت عائشة: وعليكم، ولعنكم الله وغضب الله عليكم. فقال: «مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش». قالت: «أولم تسمع ما قالوا؟» قال: «أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في». الحديث صعيب، وهو بالصحيحين. وفي هذا الحديث بيان ما عليه اليهود من غيظهم وحقدهم على أهل الإسلام، فأتوا النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: السلام عليكم، ويردون به الموت، يدعون للنبي عليه الصلاة والسلام ولمن معه من المؤمنين بالموت. فقالت عائشة: وعليكم، ولعنكم الله وغضب الله عليكم. وهذه الكلمات في الأصل أن اليهود يستحقونها، فهم ممن لعنهم الله وغضب عليهم. ومع ذلك أنكر النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة هذه الألفاظ، فقال: «مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش». قالت: «أولم تسمع ما قالوا؟» يعني أنهم دعوا عليك بالموت. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم». يعني قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الروايات: «وعليكم». وفي بعضها بدون «وعليكم». فإنه يستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في. وفي هذا الحديث بيان ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الرفق واللين، وأن هذا هو الأصل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أن تكون بالرفق، وتكون كذلك بحسن الأخلاق، وبدون عنف وشدة وغِلظة. فليس هذا من خلق الداعية، فإنه إذا كان كذلك أنفر الناس عنه، ولم يقبلوا دعوته. كما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. لو كنت شديدا غليظا لما جلسوا عندك، ولم التفوا حولك. وهذا والواقع تجد أن الشديد الغليظ ما يفلح في دعوته، الناس ينفرون منه ومن دعوته، وإن كان معه الحق، وإن كان هو على دعوة صحيحة، لكن أسلوبه في الدعوة بالغِلظة والشدة، فالناس ينفرون منه. انظروا النبي عليه الصلاة والسلام يأمر عائشة بالرفق مع من؟ مع اليهود، وهم يهود كفار. ومع ذلك أنكر عليه الصلاة والسلام عليها حين ردت عليهم بهذا الرد الذي فيه شيء من العنف والشدة، قال: «مهلا يا عائشة، عليك بالرفق». مع أنهم يهود، ومع ذلك يأمر عليه الصلاة والسلام أن تكون رفيقة. ولهذا لما أرسل الله جل وعلا موسى عليه السلام إلى فرعون، ماذا قال له؟ «قل له قولا لينا». فرعون، فرعون هو طاغية، ادعى الربوبية والألوهية. ومع ذلك يأمر الله موسى عليه السلام أن يقول له قولا لينا، لأن المراد هو هدايته، هو الحرص على هدايته والإقبال على الحق. أنت لا تلين وتتعامل معه بالرفق مداهنة له، لا. أنت تفعل ذلك حتى تحبب له الحق، حتى تحبب له الحق. فانظروا كيف كان نبينا عليه الصلاة والسلام يأمر عائشة رضي الله عنها بالرفق، مع أنهم يهود. واليوم ربما تجد بعض أهل الحق يتعامل مع إخوانه من أهل السنة بالعنف والشدة والغِلظة. بل وصل الحد ببعضهم -مما وقع فيهم من الغلو والعنف والشدة- أن يرمي غيره من إخوانه من أهل السنة، أن يدعو عليهم بما دعا اليهود على النبي عليه الصلاة والسلام، يدعو عليهم بالسام، بالموت. انظروا إلى العنف والغِلظة. وهذا خلاف ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث هو من أحد عشرات الأدلة التي تبين هذا الأمر، وهو الذي ينبغي أن يكون في الدعوة الرفق وعدم العنف والشدة. قال: «عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش». يحذرها عليه الصلاة والسلام من العنف والفحش، أي: لا تكوني غليظة، شديدة. ولا كذلك أيضا تتكلمين بالفحش. فاللعن والسب والشتم هذا من الفحش الذي لا ينبغي أن يكون عليه المسلم، فضلا أن يكون داعيا إلى الله سبحانه وتعالى. تجده يتكلم باللعن وبالسب والكلام الفاحش، يرمي إخوانه بأنهم كأمثال هامان وقارون وفرعون. هل هذا كلام يأتي به شخص عاقل، فضلا أن يكون ممن ينتسب إلى أهل السنة؟ لكن هكذا من تربى على الغِلظة وعلى الشدة تصدر منه أمثال هذه العبارات. فلا ينبغي أن يكون الداعية متصفا بالفحش، بل ينبغي أن يختار الكلمات الطيبة والكلمات الحسنة التي تكون سببا في هداية الآخرين وفي ترغيبهم. وليس معنى هذا عدم استعمال الشدة، لا. الشدة تستعمل في موضعها. قد يحتاج أحيانا إلى الشدة، لكن الشدة مع من؟ مع أهل الباطل. الشدة مع أهل الباطل قد تحتاج لها إذا لم ينفع النصح ولم ينفع البيان، فتحتاج إلى شيء من الغِلظة أو شيء من الشدة في التحذير ونحو ذلك. فهذا في موضع، لكن الأصل أن تكون الدعوة باللين والرفق، تكون باللين والرفق. وكل شيء يوضع في موضعه. الآن اليوم، أما إذا تكلمت بالرفق واللين والرحمة والشفقة، ربما اتهمت بأنك مداهن، وأنك مميع، وأنك تمسح -كما يقال- على أهل البدع أو غير ذلك من الاتهامات. وهذا يصيب. صحيح هذا الذي دل عليه دليل الكتاب والسنة، وهو الذي كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. ثم قالت عائشة رضي الله عنها: «أولم تسمع ما قالوا؟» يعني أن عائشة رضي الله عنها غضبت لما سمعت كلامهم الذي قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام، فقالت هذه الكلمات. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم». وفي هذا جواز الرد على أهل الكتاب إذا سلموا. إذا سلموا علينا أهل الكتاب، فنرد عليهم، ونقول: «وعليكم». كما قال نبي عليه الصلاة والسلام: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم». فإننا لا نبتدئ اليهود والنصارى بالسلام، كما قال الصلاة والسلام: «لا تبتدئوا اليهود والنصارى بالسلام». لكن إذا ابتدأونا، فنقول: «وعليكم». نقول: «وعليكم». قال: «فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في». يعني: أني إذا دعوت عليهم استجاب الله سبحانه وتعالى لي. وأما إذا دعوا، فإن الله سبحانه وتعالى لا يستجيب لهم. لا يستجيب لهم. قال الإمام الخطابي رحمه الله: وفي ذلك بيان أن الداعي إذا دعا بشيء ظلما، فإنه لا يستجاب له. إذا دعا بظلم، لا يستجاب له. بخلاف إذا كان مظلوما، فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب له دعاء. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: «واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». فدعوة الظالم لا تقبل، مهما دعا، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقبل دعوته. بخلاف المظلوم، فإن الله سبحانه وتعالى يستجيب له. ولهذا ينبغي أن يحذر المسلم من الظلم، يحذر من الظلم، فربما تظلم بسبب ما عندك من منصب أو قوة أو غير ذلك، وتسخر بهذا على المظلوم، وتستخف به، ثم يدعو عليك بدعوة، أو ربما تذهب بدنياك وآخرتك. قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الحسن بن عمر، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن نبيه بن عبد الله، عن عبد الله -يعني ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء». والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمن ليس بالطعان، أي: ليس من صفات أهل الإيمان الطعن. والمراد بالطعان: الذي يعيب الناس، يتبع عيوب الناس. فلان يفعل كذا، فلان فعل كذا، وهكذا يتبع عيوبهم. فليس هذا من صفات المؤمن. ليس من صفات المؤمن أنه يعيب أخاه المؤمن، بل المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مرآة لأخيه المؤمن». تكون عونا له على الخير، ما تكون عيابا له. وما من أحد إلا له عيوب، ولا يسلم أحد من الخطأ، لكن الواجب هو التنبيه على الخطأ بالطريقة الصحيحة التي تعين الشخص على الرجوع، تعينه على الرجوع من خطأه. أما أن تذهب وتفتش عن أقواله وأفعاله وما يصدر منه، ثم تظهرها أمام الناس، وتريد تشويه سمعته وإسقاط قدره، إلى آخر ذلك من المقاصد السيئة، فليس هذا من صفات أهل الإيمان. «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان»، أي: ليس كذلك من صفات المؤمن اللعن. لا ينبغي للمؤمن أن يلعن. «ولا الفاحش، ولا البذيء»، لا الفاحش: أي لا يكون ممن يقول الفحش أو يفعل الفحش. ولا البذيء: أي الذي لا حياء له، ما عنده حياء. ما يستحي من الناس. إنسان بذيء بذيء الألفاظ، وبذيء الأفعال. فهذا كذلك ليس من صفات أهل الإيمان. قال: وحدثنا خالد بن مخلد -وهو القطواني-، قال: حدثنا سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن سلمان، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا». والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. «لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا». وذي الوجهين: هو الذي يأتي طائفة من الناس بوجه، ويأتي الطائفة الأخرى بوجه. كحال أهل النفاق، كحال المنافقين الذين أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. هذا حال ذي الوجهين. يأتي إلى أناس من الناس، ويقول: إنا معكم، وهكذا. ويتكلم بكلامهم، ويظهر أنه متابع لهم. ثم يذهب إلى الطائفة الأخرى، ويقول: وأولئك، وأولئك عليهم وفيهم. ويتكلم على الطائفة الأولى، ويظهر أنه مع الطائفة الثانية. فيتلاعب. ذو وجهين: يأتي إلى هؤلاء بوجه، وإلى أولئك بوجه. فذو الوجهين لا ينبغي أن يكون أمينا، لا يؤتمن. لا في دين، ولا في دنيا. لا يؤتمن. لا في دين، ولا في دنيا. فلا خير فيه. وهذا يدل على عدم صدقه، يدل على عدم صدقه. بل هو متلاعب. وفيه خصلة من خصال أهل النفاق، خصلة من خصال أهل النفاق. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا». وتجد أمثال هؤلاء ربما يظهرون في الفتن إذا جاءت فتن من الفتن، فتجده يتلاعب، يريد أن يرضي الجميع. فيظهر مع هؤلاء أنه معهم، وضد أولئك. وإذا ذهب إلى أولئك، أظهر أنه معهم، وضد هؤلاء. وهكذا يتلاعب. وهذه من الخيانة، ليست من الأمانة. هذه من الخيانة. قال: وحدثنا عمر بن مرزوق، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: «ألأم أخلاق المؤمن الفحش». وهذا الأثر صححه شيخ الألباني رحمه الله. «ألأم أخلاق المؤمن الفحش»، أي: يكون فاحشا. فهذه من الأخلاق اللئيمة التي ينبغي أن يتنزه عنها المسلم والمؤمن. ما يكون فاحشا في قوله أو في فعله. قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثني محمد بن عبيد الكندي الكوفي، عن أبيه، قال: سمعت عليا -أبا طالب- صلوات الله عليه يقول: «لعن اللعانون». قال مروان: «الذين يلعنون الناس». وهذا الأثر صححه شيخ الألباني رحمه الله. ومحمد بن عبد العزيز هذا مجهول، والمعنى صحيح. أن الذين يلعنون يستحقون اللعنة، وتقع عليهم اللعنة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي الدرداء في السنن: «إذا لعن الإنسان، لعنة صعبة، اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبواب الأرض دونها، ثم تذهب يمينا وشمالا، فإن لم تجد مساغا رجعت إلى قائلها، فإن كان أهلا لها، وإلا رجعت إلى الذي لعن». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. «فترجع اللعنة إلى اللعن، فكأنه لعن نفسه». فكأنه لعن نفسه. فلهذا قال: «لعن اللعانون». هو قوله صلوات الله عليه. قد ذكرنا قبل أن تخصيص أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بذلك مما ينبغي تركه، مما ينبغي تركه. فإما أن يصلي عليهم جميعا، وإما أن يترك ذلك، ويكون خاصا بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قد أشار إلى ذلك، ونبه على ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «جلاء الأفهام». والله تعالى أعلم.