التعليقات على كتاب الأدب المفرد 123

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 123، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الرفق وأثره

يشرح أهمية خلق الرفق وفضله، ويبين أن الله يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف. الدين الإسلامي دين يسر ولا يريد الله بالعباد العسر.

التيسير في الدين والتحذير من التشديد

يشرح مفهوم التيسير في الدين، ويحذر من سوء فهمه لتحليل المحرمات، ويوضح الفرق بين الشدة المحمودة والمذمومة. يجب التمسك بالدين والتحلي بالسكينة والرفق.

الرفق في الدعوة إلى الله

يجب على المسلم وخاصة الداعي إلى الله أن يتجنب التنفير في دعوته وأن يكون لينًا في تعامله مع الناس. الأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة تؤثر في قبول الناس للحق.

اضطراب الحديث ومدى صحته

يناقش اضطراب في رفع ووقف حديث معين، حيث اختلف العلماء في رفعه ووقفه، وهذا الاضطراب يدل على ضعف الحديث. الحديث أشبه بالأحاديث الإسرائيلية وليس بصحيح.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد، باب ما يعطى العبد على الرفق، قال: حدثنا موسى وابن إسماعيل التبوذكي المنقري، قال: حدثنا حماد وابن سلمة عن حميد، وهو الطويل، وهو خال حماد، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف». قال: وعن يونس عن حميد مثله. وهذا الحديث صحيح، وقد جاء في الصحيحين كما مر معنا من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. وأراد الإمام البخاري رحمه الله في ذكره في هذا الباب بيان الأجر والثواب والخير الذي يتحصل عليه من تحلى بهذا الخلق، خلق الرفق، فإنه يتحصل على خير الدنيا والآخرة. «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه» يعني يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، يعطي عليه، لم يذكر نبي عليه الصلاة والسلام هذا المعطى، أخفاه ليدل على عموم الخير الذي يعطاه صاحب الرفق، يعطى خيرًا في الدنيا ويعطى خيرًا في الآخرة، يعطى خيرًا في الدنيا من حسن الثناء الذي يناله ويتحصل عليه بسبب رفقه، وهكذا أيضًا من تسهيل أموره بسبب رفقه، وهكذا أيضًا نيل ما يقصده ويطلبه، فإن هذه الأمور وغيرها تنال بالرفق، وهكذا أيضًا ما يعطاه في الآخرة من الثواب والأجر، فهذا يتحصل عليه صاحب الرفق. أما صاحب العنف فهو محروم، صاحب العنف محروم، محروم من تيسير الأمور التي يريدها، ومن الأشياء التي يقصد تحصيلها، ربما يحرمها بسبب عنفه وشدته، وهكذا أيضًا يحرم من الخير والثواب الذي جعله الله سبحانه وتعالى في الآخرة لصاحب الرفق. «ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف»، فصاحب العنف هذا قد حرم من الخير في الدنيا، وكذلك أيضًا حرم من الخير في الآخرة، فهو محروم، وأما صاحب الرفق فهو الذي يتحصل على هذا الخير، وهذا مما يجعل المسلم يحرص على أن يتخلق بهذا الخلق، بخلق الرفق. قال: باب التسكين، قال: حدثنا آدم، وهو ابن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، وهو من الحجاج، أمير المؤمنة في الحديث، عن أبي التياح، وهو يزيد، ابن حميد، مشهور بكنيته، قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا». الحديث صحيح، وهو في الصحيحين. في هذا الحديث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتيسير، «يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا»، سكنوا يعني اتخذوا السكينة وتخلقوا بطمأنينة، وهذا هو خلق صاحب الرفق، «يسروا ولا تعسروا»، وفي بعض الروايات قاله النبي عليه الصلاة والسلام حين بعث معاذًا وأبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما إلى اليمن، وقاله أيضًا في قصة ذاك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، قال: «فإنكم بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». والمراد بالتيسير هو الرفق في الأمور وعدم العنف والشدة فيها، عدم التعامل مع الناس بالشدة والعنف، فتستخدم اليسر والتيسير ما استطعت، وهذا الدين دين يسر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ما جعل الله عليكم في الدين من حرج، فالحرج رفعه الله سبحانه وتعالى عن هذه الأمة، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم. لكن ليس المراد بالتيسير ما ربما يفهمه بعض أهل الأهواء، يقول لك: يسر على الناس، لا تشدد عليهم، ويريد منك أن تداهن في دين الله سبحانه وتعالى، إذا أرادوا أن يتوسعوا في استخدام بعض الأجهزة الفضائية، فيقول: يسر على الناس، الذي يريد التلفزيون، والذي يريد الدش لا بأس، كن ميسرًا، هذا الدين يسر، هذا الدين يسر، والذي يريد الاختلاط، يريد أن يدرس في مدارس الاختلاط حتى يصبح دكتورًا أو مهندسًا، فيقول: ماذا؟ لا بأس، الدين يسر، هذا الدين ليس فيه تعسير، وهكذا يبيح للناس المحرمات باسم التيسير، وأن هذا من اليسر، فهذا باطل، وليس هذا هو التيسير المقصود، وإنما المراد باليسر بما يوافق الشرع، لا بما يخالفه، بما يوافق الشرع تيسر على الناس بما لا يخالف شرع الله سبحانه وتعالى. التعسير المذموم والشدة المذمومة ليس هو التمسك بالدين والأخذ بالكتاب والسنة أبدًا، بل هذه شدة محمودة، يا يحيى خذ الكتاب بقوة، تأخذ هذا الدين بقوة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام، وكما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كانوا متمسكين بهذا الدين بشدة، لا تتنازل عن شيء من دينك، فهذه شدة محمودة، لكن شدة مذمومة هو مجاوزة الحد في الأمور، تجعل مثلًا ما هو مباح واجبًا، أو مستحبًا، أو تجعل ما هو مستحب واجبًا، أو تجعل ما هو مكروه محرمًا، هذا هو التشديد الذي ينهى عنه. أما أن تأمر الناس بما أمر الله سبحانه وتعالى وبما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، وتنهاهم عما نهى الله عز وجل ورسوله، فليس هذا من التشديد، ليس هذا من التشديد المذموم كما يظنه كثير من الناس، يقول لك: أهل السنة أولئك مشددون، ما في عندهم رخصة، كل شيء حرام، كل شيء عندهم حرام، يقول هذا ما أمر الله سبحانه وتعالى به، وهذا ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، وما أحله الله فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، ليس التحريم من أكياسنا، إن حرمنا شيئًا فبدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو دين الله سبحانه وتعالى الذي ينبغي على المسلم أن يتمسك به وأن يأخذ به. وهكذا أيضًا من التعسير المذموم التعامل مع الناس بالشدة والعنف والقسوة في غير مواضعها، فهذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا ينبغي أن نحرص على التيسير، وكذلك نحذر من التعسير، وأن نتخلق بالسكينة، أن تكون عندنا طمأنينة وتأني في الأمور وعدم عجلة، وأن لا نكون منفرين، «ولا تنفروا، وسكنوا ولا تنفروا»، لأن التنفير ينافي التسكين، ما تجد صاحب طمأنينة وسكينة عنده ماذا؟ عنده عجلة وشدة وعنف، لكن الذي يحرم من الرفق تجد عنده ماذا؟ تجد عنده الغضب وعنده الشدة، ويحصل بسبب ذلك التنفير، تجده منفرًا ينفر الناس عن الخير، والنبي عليه الصلاة والسلام يحذر أن يكون المسلم منفرًا، «ولا تنفروا»، لا تنفروا الناس عن هذا الدين وعن هذا الخير بسبب أعمالكم. بل غضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبًا لما بلغه وأخبره ذاك الغلام أن معاذًا رضي الله تعالى عنه أطال بهم الصلاة، عبادة مع أن عبادة وطاعة، أتى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره أن معاذًا يصلي معه ثم يأتي فيصلي بنا ويطيل الصلاة، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «يا معاذ أفتان أنت؟ يا معاذ أفتان؟»، انظروا إلى هذه المعاملة مع معاذ بسبب ماذا؟ أنه شدد على الناس، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام بسبب ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام في بعض الألفاظ: «إن منكم منفرين، إن منكم منفرين»، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام التحذير من هذا الأمر أن يكون المسلم منفرًا، ما يكون المسلم منفرًا، بل المسلم يجذب الناس إلى الخير بأخلاقه وبأقواله، تكون عنده طمأنينة وسكينة والألفاظ الطيبة والأفعال الحسنة، هذا هو خلق المسلم، ما يكون منفرًا يسب ويشتم ويلعن ويصارع ويضارب، هذا ينفر الناس، وكذلك يبغضه الناس بسبب خلقه السيئ، فيكون منفرًا، فيكون منفرًا، بهذا ينبغي للمسلم أن يحذر أن يحذر من أن يكون منفرًا، هذا لعامة المسلمين ولطالب العلم على وجه الخصوص، والداعي إلى الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يحذر أن لا يكون منفرًا في دعوته بسبب شدته وقسوته في معاملته مع الناس، ينبغي ماذا؟ أن يكون عنده اللين والرفق وحسن الخلق في تعامله مع الناس، فإن ذلك سبب لأن يقبل الناس منه الخير. ورب عمل أو خلق تتخلق به يكون سببًا في قبول الناس الحق منك أكثر من كلامك وذكرك، ربما الأدلة والبراهين ربما الفعل يؤثر في الناس أكثر من تأثير الأقوال، وإذا كثرت الأقوال وخالفتها الأفعال، فإن هذه الأقوال لا يكون لها تأثير أبدًا، لا يكون لها تأثير، إذا كنت تأمرهم وتنهاهم ثم يرون من أفعالك الأفعال المنفرة من شدة وقسوة وغلظة ونحو ذلك، فإنهم لا يقبلون منك، لكن إذا رأوا منك الأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة بما لا يخالف الشرع، فهذا يكون أدعى لقبول ماذا؟ لقبول الحق منك، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقًا وأحسن الناس تعاملًا مع الخلق، فلهذا كانت أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام لها تأثير في قلوب من رآه، فربما آمن به بسبب حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا قتيبة وابن سعيد، قال: حدثنا جرير وابن عبد الحميد عن عطاء وابن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمر، قال: نزل ضيف في بني إسرائيل، وفي الدار كلبة لهم، فقالوا: يا كلبة لا تنبحي على ضيفنا، قال: فصحنا الجراء في بطنها، فذكروا أو فذكروا لنبي لهم، يعني هذا الذي حصل، فقال: فقال: «إن مثل هذا كمثل أمة تكون بعدكم يغلب سفهاؤها علماءها». وهذا الأثر ضعيف، وأشار شيخ الألباني رحمه الله وبيّن في الضعيفة سبب ضعف هذا الأثر، هو أن عطاء بن السائب مختلط قد اختلط، وجرير بن عبد الحميد ممن رووا عنه بعد الاختلاط، وأيضًا كذلك فيه اضطراب في هذا الحديث، اضطراب، فأبو عوانة روى هذا الحديث عن عطاء بلفظ «فأوحى الله إلى رجل منهم»، وجرير قال: «فذكروا لنبي لهم»، وأبو حمزة كذلك ممن رواه عن عطاء بلفظ «فضرب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مثلًا»، وهكذا أيضًا اضطرب في رفعه ووقفه، فأبو حمزة وأبو عوانة رفعا الحديث، وأوقفه جرير، وهذا الاضطراب يدل ماذا؟ على ضعف هذا الحديث، وهو أشبه بالأحاديث الإسرائيلية، أشبه بالأحاديث الإسرائيلية، فهو حديث ضعيف لا يصح. طيب إن شاء الله نقف هنا ونكمل في الدراسة القادمة والله تعالى.