الدرس في كتاب الصلاة 23، ألقاها
إذا تخلف المأموم عن الإمام لعذر، فعليه إتمام ما فاته ومتابعة الإمام. تصح له ركعة واحدة ملفقة من ركعتين إذا لحق الإمام.
يتناول حكم التخلف عن الإمام سواء لعذر أو لغير عذر، ويشرح الأحكام المتعلقة بالتخلف في الركن أو بركن، وحكم الموافقة للإمام في الأقوال والأفعال.
ناقش حكم الموافقة في أفعال الصلاة وكراهتها، ومسألة صلاة القائم خلف الإمام القاعد العاجز وخلاف العلماء حولها.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، ما زلنا في المسائل المتعلقة بالإمامة، وهي مسائل كثيرة، فنذكر اليوم بعض المسائل المتعلقة بمسألة الإمامة. من هذه المسائل مسألة إن سبق الإمام المأموم بركن أو أكثر، وتأخر عنه المأموم. تخلف المأموم عن الإمام نوعان: الأول تخلف لعذر، والثاني تخلف لغير عذر. فأما النوع الأول، إن تخلف المأموم وتأخر عن الإمام لعذر، فعليه أن يأتي بما تخلف به، ويتابع الإمام، ويتم صلاته، حتى ولو فاته معه ركن أو ركنان. لكن إذا وصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه، فإنه لا يأتي به، ويبقى مع الإمام، وتصح له ركعة واحدة ملفقة من ركعتين إمامه. مثال ذلك رجل يصلي مع الإمام، والإمام ركع ورفع وسجد وجلس وسجد الثانية ورفع حتى وقف، والمأموم لم يسمع المكبر إلا في الركعة الثانية لانقطاع الكهرباء مثلا. فإذا حصل هذا الأمر، مثلا كما ذكرنا في هذا المثال، رجل كبر الإمام فكبر معه، والإمام قرأ سورة الفاتحة، ثم انقطع صوت المكبر، فالمأمومون لا يدرون ما زالوا واقفين. فالإمام قرأ بسورة أخرى وركع ورفع وسجد حتى فرغ من الركعة الأولى، ثم قام إلى الركعة الثانية، فاشتغلت الكهرباء مثلا واشتغل المكبر، فسمع المأموم الإمام يقرأ بسورة الفاتحة مرة ثانية أو سمعه يقرأ بسورة أخرى. فماذا يصنع هنا؟ الجواب أنه يستمر مع الإمام على تلك الركعة، فيصلي مع الإمام تلك الركعة، فتحسب له ركعة. فإذا سلم الإمام، قام وأتى بالركعة الثانية، فتكون الركعة الأولى مكونة من ركعتين الإمام. فيكون متابعا للإمام في ركعة واحدة، وإن كان الصورة الحقيقية أنه متابع له في ركعتين. فإذا فات الإمام أو سبق الإمام المأموم في الركوع مثلا، ركع الإمام وبقي المأموم قائما، ثم رفع الإمام، فالمأموم يسرع فيركع ثم يرفع متابعة للإمام. فإذا سجد الإمام وهو ما زال راكعا، يركع ثم يرفع ثم يتابع الإمام وهو ساجد، ويتم صلاته، لأنه تخلف عن الإمام لعذر. النوع الثاني التخلف عن الإمام لغير عذر، وله صورتان: الأولى التخلف في الركن، ومعناه أن تتأخر عن المتابعة لكن تدرك الإمام في الركن الذي انتقل إليه. مثال ذلك أن يركع الإمام وقد بقي على المأموم قراءة آية أو آيتين من سورة الفاتحة، فبقي قائما، فأكمل الفاتحة وأدرك الإمام في الركوع، فركع معه، فالركعة هنا صحيحة. الحالة الثانية أو الصورة الثانية التخلف بركن، ومعناه أن يسبقك الإمام بركن وينتقل إلى غيره قبل إدراكك إلى ذلك الركن. مثال ذلك أن يقرأ المأموم الفاتحة والإمام كبر للركوع، والمأموم ما زال ينتظر لغير عذر، حتى رفع الإمام وهو على هذه الحالة. فما حكم هذا؟ قال العلامة العثيمين: الفقهاء يقولون إن التخلف كالسبق، فإذا تخلفت بالركوع فصلاتك باطلة، كما لو سبقته به. وإذا وافق المأموم الإمام فلم يسبقه ولم يتأخر عنه، وإنما وافقه قارنه بالفعل، فهذا أيضا على قسمين: موافقة الأقوال، وهي لا تضر إلا في تكبيرة الإحرام والسلام. فإذا وافق الإمام في السلام، فمن أهل العلم من قال إنه خلاف السنة، ومنهم من قال إنه مكروه. قال العلامة العثيمين: والأظهر الكراهة. إن سلم المأموم إذا سلم الإمام التسليم الأولى وسلم المأموم بعده التسليم الأولى، ثم سلم الإمام التسليم الثانية وسلم المأموم بعده التسليم الثانية، فما حكم هذا؟ قال: جائز، ولكنه خلاف الأولى. وأما بقية الأقوال فلا تؤثر إن توافق المأموم مع الإمام أو تقدم عليه أو تأخر. مثال ذلك في صلاة سرية، فكان المأموم خلف الإمام، والإمام يقرأ بالفاتحة، والمأموم قد انتهى من الفاتحة، فهذا لا شيء عليه. الموافقة في الأفعال، وقيل أنها مكروهة، وقيل أنها خلاف السنة. قال العلامة العثيمين: والأقرب الكراهة. مثاله: كان المأموم مع الإمام في صلاة، فقال الإمام الله أكبر للركوع، وشرع في الهوي للركوع، فإذا المأموم يهوي معه، فهذا الفعل مكروه. ننتقل إلى مسألة أخرى، وهي متعلقة بالحديث «وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون». المسألة في صلاة القائم خلف الإمام القاعد العاجز. حكم صلاة القائم خلف الإمام القاعد العاجز فيه خلاف. القول الأول: أنه يصلي قائما خلف الإمام وجوبا، لأن القيام من أركان الصلاة، ولا يسقط إلا بعذر، ولا عذر. وهذا القول ذهب إليه الإمام الثوري والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور. القول الثاني: أنه يجب عليهم أن يصلوا خلف الإمام قعودا، ولا يجوز لهم أن يصلوا قياما. وذهب إلى هذا الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر. واستدلوا على قولهم بأحاديث المذكورة في هذه المسألة. والقول الأقرب والله أعلم في هذه المسألة هو القول الأول، وذلك لأن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى قاعدا، وصلى خلفه الصحابة قياما، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.