كتاب الصلاة 55

الدرس في كتاب الصلاة 55، ألقاها

مقدمة في قدر سترة المصلي

يتناول المقطع الأول تفصيلا قدر سترة المصلي كما ورد في الحديث النبوي، حيث يقارن بمؤخرة الرحل. الإمام النووي يشرح معناه ويدل على أن أقل سترة هي قدر عظم الذراع.

تفاصيل شروط السترة للمصلي

يتناول المقطع الثاني شروط السترة للمصلي، حيث يشير إلى أن طول السترة يجب أن يكون بقدر ثلثي الذراع. يذكر آراء مختلف الفقهاء حول غلظ السترة وحديث الخط كسترة.

حكم وضع الخط كسُترة وحدودها

اختلف الشافعية في استحباب وضع خط كسُترة للصلاة، والجمهور استحبه. حددت السُترة بمؤخرة الرحل، واختلف العلماء في تقديرها، ولا يشترط غلظ معين في السُترة.

ختام المسألة بالدعاء والتسبيح

المقطع الأخير ينهي الحديث حول مسألة السترة بالدعاء والتسبيح لله تعالى، ويشير إلى اعتراف العبد بالذنب والتوبة إليه، ويطلب المغفرة.

التفريغ النصي الكامل

المسألة السابعة ذكرناها أمس إشارة، ونذكرها اليوم بإذن الله عز وجل تفصيلا. المسألة السابعة: قدر السُّترة مثل مؤخرة الرحل. هذه المسألة كما سمعتم أخذناها أمس إشارة طيِّفة، ونذكرها اليوم بإذن الله عز وجل مفصَّلة، مع ذكر كلام أهل العلم في هذه المسألة تفصيلا بإذن الله عز وجل. فأولا: روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبالي من مر وراء ذلك». الحديث كما سمعتم رواه الإمام مسلم، ورواه أيضا من حديث عائشة، عن عائشة أيضا قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سُترة المصلي، فقال: «مثل مؤخرة الرحل». وكذلك رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين. قال النووي رحمه الله تعالى: المؤخرة بضم الميم وكسر الخاء، وهمزة ساكنة، ويقال بفتح الخاء مع فتح الهمزة، وتسكين الخاء ومع إسكان الهمزة، وتخفيف الخاء، ويقال آخرة الرحل بهمزة ممدودة وكسر الخاء. قال: فهذه أربع لغات. قال: وهي العود الذي في آخر الرحل. وهي العود الذي في آخر الرحل، العود الذي يكون في ماذا في الرحل؟ الرحل يكون ماذا للإبل؟ من رأى الإبل إذا ارتحلت يجعلون على ظهرها رحلا، فمؤخرة الرحل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سُترة المصلي مثل ماذا؟ مثل مؤخرة الرحل، أي مثل العود الذي في مؤخرة الرحل، وأشبه ما يكون كالشيء الذي يتكى عليه في مؤخرة الرحل. قال رحمه الله تعالى -أي الإمام النووي رحمه الله تعالى-: قال: وفي الحديث بيان أن أقل السُّترة مؤخرة الرحل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: «مثل مؤخرة الرحل». فقال: في الحديث بيان أن أقل السُّترة مؤخرة الرحل. معنى هذا: أن من صلى إلى أقل من ذلك، فلا يكون مصليا إلى سُترة. إذا صلى إنسان إلى شيء هو دون مؤخرة الرحل، فلم يكن بهذه الحالة صلى إلى سُترة. قال النووي رحمه الله تعالى: قال: وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع. الذراع يا جماعة من أين إلى أين؟ يعني من طرف الساعد إلى طرف الأصبع الوسطى. يعني من طرف اليد الذي هو ملتقى العظم بين الساعد وبين العضد إلى طرف الأصبع الوسطى، هذا يقال له: ذراع. وقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: عظم الذراع، يريد ماذا؟ الذراع الذي هو بين هذا وبين الرسغ. فكما هو معلوم هذا كما قال النووي رحمه الله تعالى: بقدر ماذا؟ بقدر ثلثي الذراع. فالذراع من المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، والذراع نفسه كما قال النووي رحمه الله تعالى: يقدر بثلثي ذراع. قال: ويحصل بأي شيء؟ أقامه بين يديه بأي شيء، هكذا واضحة. أي شيء كان، طوله قدر ثلثي ذراع، دقيقا أو غليظا، كله يصح أن يقال: إنه سُترة. قال: وشرط مالك رحمه الله تعالى أن يكون في غِلظ الرمح. أي: أقل شيء أن يكون مثل الرمح. قال النووي رحمه الله تعالى: واستدل القاضي عياض رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أن الخط بين يدي المصلي لا يكفي. بمعنى أن الإنسان إذا ما وجد مثل مؤخرة الرحل، فهل يكفي عنه الخط؟ الجواب كما قال القاضي رحمه الله تعالى: لا يكفي. لماذا؟ لأن أقل قدر للسُّترة هو مثل مؤخرة الرحل. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وإن قد جاء به حديث. قال: وأخذ به أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. قال: فهو ضعيف. أي: ذلك الحديث الذي ورد في هذا الباب. وقال به الإمام أحمد. قال رحمه الله تعالى: واختلف فيه. أي: اختلف في ضابط الخط. قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في الحديث: «إذا صلى أحدكم فليصلي إلى شيء يستره من الناس، فإن لم يجد فليخط خطا». هذا الحديث حكم عليه جماعة من أهل العلم بأنه ضعيف مطرب. قال: ويذكره علماء المصطلح -علم الحديث- في باب المطرب، مثالا للحديث المطرب. قال: فالآن يقول الحافظ -يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى-: على فرض صحة ماذا؟ على فرض صحة حديث الخط، اختلفوا أين يكون الخط؟ هل يكون مستقيما؟ هل يكون معترضا؟ كيف يكون الخط؟ قال رحمه الله تعالى: واختلف فيه. فقيل: يكون مقوسا كهيئة المحراب. هذا قول: إنه يكون مقوسا. وقيل: قائما بين يدي المصلي إلى القبلة. وقيل: من جهة يمينه إلى شماله. فهذه أقوال ثلاثة في ضابط الخط على صحة حديث الخط. قال رحمه الله تعالى: ولم ير مالك رحمه الله تعالى، ولا عامة الفقهاء الخط. يقول القاضي: وإن قال به أحمد، فإن عامة الفقهاء لا يقولون بالخط. وهو كما قال: أي أن الصواب عدم العمل بحديث الخط لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال النووي رحمه الله تعالى: وحديث الخط رواه أبو داود، وفيه ضعف والطراب. قال: واختلف قول الشافعي رحمه الله تعالى فيه. فاستحبه في سنن حرم له، وفي القديم -أي استحب أن يفعل المصلي بين يديه خطا إذا لم يجد سُترة-. قال: ونفاه البويطي. نفى أن يكون قال به الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، ونفى هذه المسألة أصلا. فقول الشافعي رحمه الله تعالى كما قال النووي: تارة يقول باستحبابه، وتارة لا يقول باستحبابه. قال: والجمهور من أصحابه باستحبابه. قال: وليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط والله أعلم إن صح. إن صح حديث الخط، فليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط. لماذا؟ لأنه يحمل الخط -لو صح- على أنه إذا لم يجد السُّترة فإنه يصلي كيف شاء، يخط بين يديه خطا ثم يصلي كيف يشاء. ولكن كذلك هذا القول -الإمام النووي رحمه الله تعالى-: كذلك قد يتعقب. وذلك بأن يقال: إذا صح الاستتار بالخط، فالاستتار بما هو أرفع من الخط من باب أولى. كأن يضع قلنسوة أو عمامة أو نحوها، ما لم تبلغ قدر مؤخرة الرحل. فالخلاص من هذا: أن الصحيح في هذه المسألة والأمر الواضح في هذه المسألة: أن سُترة المصلي هي مثل ماذا؟ مثل مؤخرة الرحل، كما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما هو قدر مؤخرة الرحل؟ قدر مؤخرة الرحل يرجع إلى العرف في ذلك في تقدير مؤخرة الرحل. والعلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في هذا؛ لأن مؤخرة الرحل قد يكون في بعض البلاد بقدر ذراع، وقد يكون في بلد آخر قدر أقل من ذراع، وهو قدر ثلثي الذراع. فقال من قال بثلثي الذراع. والكل آخذون بالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه مثل مؤخرة الرحل. فهذا هو الخلاصة في هذا الدرس: أن السُّترة بقدر مؤخرة الرحل، فإن كان مؤخرة الرحل بمقدار ثلثي ذراع أجزأ ذلك، وكلما زاد كان أولى وأفضل. بقي غِلظ هذه السُّترة: هل يشترط في غِلظها شيئا معينا؟ الجواب: لا يشترط. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل مؤخرة الرحل» في الطول لا في العرض. ما الدليل على هذا؟ الدليل على هذا: أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلى عنجة -والعنجة هي الحربة الصغيرة-، وصلى إلى الرمح، ونحو ذلك. فهذا يدل على أن قوله: «مثل مؤخرة الرحل» المقصود به طولا لا عرضا. فعلى هذا يجزئ في ذلك ما كان من السُّترة بأي غِلظ كان، دقيقا أو غليظا. هذا خلاصة ما يقال في هذه المسألة. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على