شرح فتح المجيد 126

الدرس في شرح فتح المجيد 126، ألقاها

مفهوم الطاغوت ودور الشيطان

يشرح مفهوم الطاغوت وأثر الشيطان في عبادته، ويبين أن الكفر بالطاغوت جزء من التوحيد. يستشهد بآيات قرآنية وتفسيرات العلماء.

تحكيم غير ما أنزل الله ورتبته في الكفر

يفسر حكم التحاكم بغير ما أنزل الله، ويفرق بين الكفر الأكبر والأصغر بناءً على اعتقاد الفاعل. يبين تفسيرات السلف للآيات المتعلقة بالحكم بغير ما أنزل الله.

تحليل آية التحاكم والكفر بالطاغوت

يناقش معنى التحاكم إلى الطاغوت وتفسير الآيات التي تنهى عن ذلك، ويبين أن الإيمان الحقيقي يقتضي الكفر بالطاغوت والتحاكم إلى حكم الله ورسوله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه، أو كان شجرًا أو حجرًا أو قبرًا أو غير ذلك مما يتخذه المشركون أصنامًا على صور الصالحين أو الملائكة أو غير ذلك، فهي من الطاغوت التي أمر الله تعالى عباده أن يكفروا بعبادته ويتبرأوا منه ومن عبادة كل من عبد سوى الله، ومن عبادة كل معبود سوى الله كائنًا من كان، وهذا كله من عمل الشيطان وتسويله، فهو الذي دعا إلى كل باطل وزينه لمن فعله، وهذا ينافي التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. طيب هذا واضح. وفي قول الشيخ رحمه الله تعالى: «وهذا كله من عمل الشيطان»، أي أن عبادة غير الله جل وعلا كلها من عبادة الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يدعو حقيقة إلى عبادة غير الله جل وعلا، ولكن يزين لهم أعمالهم تارة بشيء وتارة بحجج وتارة بالكواكب وتارة بالأنبياء وتارة بالملائكة، والحقيقة هو من إغواء الشيطان لبني الإنسان. فالتوحيد هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله، كما قال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾. وكل من عبد غير الله فقد جاوز به حده، فقد جاوز به حده، وأعطاه من العبادة ما لا يستحقه، على ما تقدم من أن معنى الطاغوت هو ما تجاوز به العبد حده من معبود، وهذا جاوز به العبد حده فجعله بدلًا أن يكون عبدًا جعله معبودًا، وهذه مجاوزة. قال الإمام مالك: «الطاغوت ما عبد من دون الله». وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله أثر مالك. ذكره السيوطي في «الدر المنثور»، وقال: أخرجه ابن أبي حاتم. وكذلك ذكره القرطبي في تفسيره، وقال: قال ابن وهب، قال مالك: فذكره. وشاهد ذلك أن الإمام مالك رحمه الله تعالى ممن فسر الطاغوت بأنه ما عبد من دون الله. قال رحمه الله: وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب عنه، وجعل لله شريكًا في الطاعة، وخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله تعالى به في قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾، وقوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾. فمن خالف ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله أو طلب ذلك اتباعًا لما يهواه ويريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن. فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك وأكذبهم في زعمهم الإيمان؛ لما في قوله: «يزعمون» من دلالة على أن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، كما في آية البقرة. فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا. قال رحمه الله تعالى: وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله، من دعا إلى تحكيم غير الله جل وعلا ورسوله، دعا إلى تحكيم كما يقال تحكيم القوانين، تحكيم كذلك العرف القبلي، تحكيم من حكم من غير الله جل وعلا، فهذا قد ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: «ورغب عنه». وهذه المسألة كما مرت معنا مرارًا: أن مسألة التحكيم ومسألة التحاكم ومسألة الحكم بغير ما أنزل الله جل وعلا، أهل العلم يفصلون فيها. فكما هو معلوم في قول الله جل وعلا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، وفي الآية الثالثة: ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾. جاء أو ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ليس هذا الكفر الذي تذهبون إليه، وإنما هو كفر دون كفر». وكذلك ثبت عن عطاء وعن طاوس وعن جماعة. بل ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن هذا إجماع من السلف من أنهم يقولون في مثل هذه الآية: أنه كفر دون كفر. وعلى هذا: فمن حاكم بغير ما أنزل الله جل وعلا، إن كان يعتقد أن حكم غير الله جل وعلا مثل حكم الله أو أفضل أو أنه يجوز الحكم بحكم الله ويجوز الحكم بحكم غير الله جل وعلا، كل ذلك جائز سائغ، فإن هذا يكون كافرًا كفرًا أكبر. أو يكون استحل الحكم بغير ما أنزل الله استحلالًا قلبيًا، بمعنى أنه يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حلال وأنه جائز، فهذا كذلك يكفر كفرًا أكبر. وأما من حاكم بغير ما أنزل الله عن هوى أو عن شهوة أو ما شابه ذلك، فإن هذا لا يكون كافرًا كفرًا أكبر، ولكنه واقع في الكفر الأصغر. مثلًا: رجل حكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أنه حكم بغير ما أنزل الله؛ لأن أحد الخصمين بينه وبينه عداوة أو أحد الخصمين بينه وبينه مودة، فهذا حكم بغير ما أنزل الله عن هوى، مع أنه يعتقد بأن حكم الله جل وعلا أفضل وأولى، ولكنه غلبه الهوى وغلبته الشهوة على فعل ما على الحكم بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله أفضل. قال رحمه الله: والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه، كما أن ذلك بيّن في قوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها﴾. وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به. قال: وقد يقول قائل: ماذا تقولون في هذه الآية في قول الله جل وعلا: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به﴾؟ فالله جل وعلا ذكر أنهم قد أمروا أن يكفروا به وهؤلاء ما كفروا به، فهؤلاء كفار، فهؤلاء كفار، ولم يكونوا مؤمنين. فيقال: أن هذه الآية أولًا: أن الله جل وعلا ما أثبت لأولئك المتحاكمين الإيمان، بل قال ربنا جل وعلا: «يزعمون»، والزعم كما ذكر يطلق غالبًا على القول الذي يخالف الحقيقة، فهؤلاء يزعمون أنهم آمنوا. لذا جاء عن جماعة من المفسرين بل يكاد المفسرون يطبقون على هذا: أن هؤلاء المتحاكمين المنافقون، أن أولئك المتحاكمون منافقون. قال: وإذا علم أنهم منافقون، فالمنافق كما هو معلوم لم يكفر بالطاغوت أصلا. وثالثًا أيضًا في الآية إشعار إلى أن أولئك رأوا أن حكم غير الله جل وعلا أفضل من حكم الله جل وعلا؛ لذا قال الله عز وجل: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾، والإرادة من فعل القلب، وهي مشعرة بأن إرادتهم هذه إرادة تفضيل. قال: وفيها التحذير من الاغترار بالرأي ما لم يقم على صحته دليل من كتاب الله وسنة رسوله. فما أكثر من يصدق بالكذب ويكذب بالصدق إذا جاءه، وهذا من الفساد في الأرض، ويترتب عليه إن الفساد أمور كثيرة تخرج صاحبها من الحق وتدخله في الباطل، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾، قال الشارح رحمه الله: قال أبو العالية في الآية: يعني لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء إنما هو بطاعة الله ورسوله. قال: ووجه مطابقة هذه الآية للترجمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد الأرض من المعاصي، فلا صلاح إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله، وهو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾. صلى الله على نبينا محمد، وسلم تسليمًا كثيرًا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على