الخطبة بعنوان شرطا قبول العمل، خطبة الجمعة وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 16 محرم 1434هـ ألقاها
يبيّن المقطع فضيلة العمل الصالح وثوابه العظيم، ويؤكد أن قبوله مشروط بالإخلاص لله والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم. كما يشرح معنى النية الصالحة محذراً من الرياء والعمل للدنيا.
يوضح المقطع أن الأعمال تُقاس بالنيات، فيختلف الثواب باختلاف قصد العامل، ومن نوى خيراً ومنعه عذر كتب الله له أجره كاملاً. كما أن النية الصالحة تجعل العمل مقبولاً حتى لو وقع في غير مستحقه، بينما النية الفاسدة تُبطل العمل.
يسرد المقطع قصة أصحاب الجنة الذين عوقبوا لنيتهم حرمان المساكين، وحديث الثلاثة الذين رُدَّت أعمالهم لفساد النية. يؤكد ذلك أن الإخلاص وحده لا يكفي بل لا بد من موافقة العمل للسنة النبوية لأن العبادة توقيفية.
يؤكد المقطع أن حسن النية لا يكفي لقبول العمل دون موافقة السنة في كيفيته ووقته، مستدلاً بقصة أبي بردة والثلاثة الذين أرادوا التشديد فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. يحذر المقطع من البدع ومفتتح باب الضلالة كما فعل ابن مسعود مع المعدين بالحصى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، كثيراً ما يذكر الله عز وجل عباده في كتابه الكريم بأهمية العمل الصالح والحث عليه، وبيان فضله وخيراته وحسناته، وأنه الزاد في الآخرة، وأنه سبب السعادة والسلامة والفوز في الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهكذا ذكر الثواب على الأعمال، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِن أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۚ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. وهكذا يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۚ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. وهكذا يقول الله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. فلا شك عباد الله أن الله عز وجل خلق الإنسان لأجل هذه العبادة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. عبادة الله عز وجل بتوحيده، عبادة الله عز وجل بالمسارعة إلى مرضاته، عبادة الله عز وجل بالاستكثار من العمل الصالح. أمده بالجوارح، أعطاه الصحة، أعطاه الفراغ، أعطاه الغناء، هيأ له الأسباب ليسارع إلى مرضات الله عز وجل، والله تبارك وتعالى وعده بالثواب الجزيل كما في الآيات الكريمات. فلا شك عباد الله أن العاقل البصير والمؤمن الحصيف إذا سمع بهذه الوعود من الرب الكريم الغفور الرحيم سبحانه وتعالى، لا شك أنه يحرص على العمل الصالح ويحرص على إتقانه وإصلاحه حتى يفوز بهذه الأجور وهذا الثواب الجزيل. فما هو العمل الصالح عباد الله الذي وعد الله عز وجل عباده ورتب عليه هذا الثواب الجزيل؟ إنه الذي يتوفر فيه شرطا العمل وقبوله، ألا وهما: الإخلاص لله تبارك وتعالى، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا يقبل أي عمل إلا إذا كان خالصاً لوجه الله، وكان على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: مخلص لله تبارك وتعالى، ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: هو مخلص، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبع لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذان شرطان أساسيان في قبول العمل، ينبغي للمتاجر مع الله تبارك وتعالى أن يحرص في عمله الصالح أن يتوفر عنده هذان الشرطان: شرط الإخلاص، أن لا يكون عنده شائبة الشرك سواء كان أصغر أو أكبر، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يكون عنده ابتداء ولا اتباع لغير الرسول عليه الصلاة والسلام. وهكذا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بيان هذين الشرطين، عندنا حديثان عظيمان يعتبران من أصول الدين. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأول، من حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهو متفق عليه. ويقول في الحديث الثاني، من حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي لفظ مسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». فهذان الحديثان يعتبران ميزاناً للعمل الصالح، فحديث «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في ظاهرها أو في باطنها، ميزان للعمل في باطنه، وحديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» ميزان للعمل في ظاهره. لا بد من صلاح الظاهر وصلاح الباطن. «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». النية عباد الله التي يراد بها نية العمل، ونية المعمول به أو المعمول له. نية العمل: لا بد في العمل الصالح أن ينوي بهذه الأقوال أو بهذه الحركات والسكنات والأفعال أن يتقرب إلى الله عز وجل بعمل صالح، يتميز فيه العمل الصالح عن العادة. فإذا اغتسل يريد بهذا الغسل رفع الجنابة مثلاً، أو غسل الجمعة، ولا يريد به الغسل للتنظف والتبرد. وهكذا العبادات نفسها، يعمل العبادة فيميز بعضها عن بعض، فصلاة الظهر والعصر أربع ركعات وأربع ركعات، لكن ينوي بهذه الصلاة أنها صلاة الظهر، وتلك صلاة العصر. والأمر الثاني في النية: نية المعمول له، وهذا أهم، وهذا الذي عليه مدار السعادة، وعليه اهتمام الأنبياء والصالحين وأتباعهم. نية المعمول له: أنه لا يريد بعمله ذلك إلا وجه الله تبارك وتعالى، وتقرب إلى مرضاته، والنيل لرحمته سبحانه وتعالى. لا يريد بعمله رياء ولا سمعة، ولا أغراضاً فاسدة، ولا مطامع من مطامع الدنيا من الشهرة، أو نيل المكانة، أو الدنيا، أو الوظيفة، أو الغرض من أغراض الدنيا. لأن الله تبارك وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. ويقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. بخلاف ذاك الذي يعمل لأجل الدنيا، أو لأجل غرض، أو حظاً من حظوظها، فالله سبحانه وتعالى توعده فقال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّ رِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾. ويقول الله في الآية الثالثة: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾. فاحرصوا عباد الله على إخلاص نياتكم لله تبارك وتعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن هذا الأمر في هذا الحديث بياناً واضحاً، فقال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». معلوم أن الهجرة، وهي الانتقال من بلد الكفر والشرك إلى بلد الإسلام، من أفضل الأعمال التي وعد الله عز وجل ورتب عليها الثواب الجزيل: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. هذه الهجرة التي هي من أفضل الأعمال الصالحة يختلف الناس فيها باختلاف نواياهم ومقاصدهم، وهذا مبين في هذا الحديث العظيم. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، من خرج من بلاد الكفر إلى بلد الإسلام حباً لله، ورغبة في طاعته، ورغبة في إقامة دينه، وقد كان عاجزاً وهو في بلاد الكفر أن يحافظ على دينه، وأن يقيم شعائره، وأن يبتعد عن مواطن الزلل والسقوط والنكوس والرجوع إلى القهقرة، ورغبة في تعلم دينه ليعمل به، من خرج لأجل ذلك فقد وقع أجره على الله. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله. لكن انظروا إلى القسم الثاني: العمل هو العمل من حيث الظاهر، هذا سافر من بلاد الكفر إلى بلد الإسلام، والثاني سافر، لكن الأول كانت نيته تقدمت، والثاني خرج من بلاد الكفر إلى بلد الإسلام طمعاً في مال، أو رغبة في تجارة، أو رغبة في زواج. قال صلى الله عليه وسلم: «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». الأول مهاجر، وأما هذا فهو إما تاجر، أو خاطب، أو راغب في حظ من حظوظ الدنيا، فليس له من عمله إلا ما نواه. هكذا عباد الله، نحرص أيها الإخوة في الله على إصلاح نوايانا، فبقدر صلاح النية تترتب الأجور الكثيرة والثواب الجزيل. فإن من فضل الله عز وجل على عباده أن من أصلح نيته وأصلح قلبه ورغب في الخير، فإنه إذا حيل بينه وبين العمل الصالح لعارض من مرض أو عدو أو خوف، فالله سبحانه وتعالى يكمل له الأجر. ففي البخاري، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً». وفي الصحيح، من حديث جابر وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى متقارب، قالا: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، أو رجعنا من غزاة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إن رجالاً خلفنا بالمدينة ما سرنا مسيراً ولا قطعنا وادياً إلا وهم معنا، حبسهم المرض»، وفي لفظ: «حبسهم العذر». انظروا عباد الله كيف يكتب لهم أجر الغزو لأنهم نووا على الغزو، ولكن حيل بينهم وبين الغزو بسبب أعذار مقبولة من مرض أو غيره. فهكذا عباد الله، من نوى الجهاد في سبيل الله ولم يستطع على الخروج إليه، كتب له أجر الجهاد، وإن مات على فراشه. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح، من حديث سهل بن حنيف: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه». من نوى قيام الليل فحيل بينه وبين قيام الليل، مرض أو عدو أو شغل، حصل مرض مفاجئ للزوجة أو للولد، فخرج مسرعاً مسعفاً لهذه الزوجة أو الولد إلى المستشفى، كتب له أجر القيام. من نوى الصدقة في سبيل الله تبارك وتعالى، هيأ مالاً للصدقة، فجأة ذهب عليه هذا المال بحريق أو سرقة أو أمر ضروري، يكتب له أجر الصدقة. نعم عباد الله، بسبب النية الصالحة، الله عز وجل يكمل للعبد أو يعطي للعبد أجره وإن لم يعمل هذا العمل. وهكذا لو شرع فيه ولم يكمل، وكان هناك أمر حال بينه وبين إكمال العمل، فالله تبارك وتعالى يكمل له الأجر. قال الله عز وجل في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. خرج من بلاد الكفر، في أثناء الطريق أدركه الموت، وهو ناوي الهجرة، وله نية صالحة، فالله الكريم سبحانه وتعالى يكتب له أجر هذا الخروج وأجر هذه الهجرة، وإن خرج خطوات من بلده. فلا يستهان بالنية الصالحة عباد الله، حتى في معاملتك مع الناس. ثبت في الصحيح، من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلاً قال: «لأتصدقن الليلة بصدقة»، فخرج فوضعها في يد رجل، فأصبح الناس يتحدثون: «تصدق اليوم على سارق»، قال: «اللهم لك الحمد على سارق». خرج في الليلة الثانية، قال: «لأتصدقن الليلة بصدقة»، فخرج فوضعها في يد رجل، فإذا الذي سلمها غني، فأصبح الناس يتحدثون: «تصدق الليلة على غني»، قال: «اللهم لك الحمد على غني». قال: «لأتصدقن الليلة بصدقة»، فخرج فوضعها، فإذا بامرأة، تحدث الناس في الصباح: «تصدق الليلة على زانية»، فقال: «اللهم لك الحمد على سارق، وعلى غني، وعلى زانية». فنام، فأتي في المنام، فقيل له: «أما الغني فلعله يتعظ فيجد غيره ينفق وهو لا ينفق، وأما السارق فلعله أن يستعف، وأما الزانية فلعلها أن تترك زناها». فانظروا كيف كمل الله له الأجر. ومن هنا في باب الزكاة، تعرفون أن الله سبحانه وتعالى جعل لها مصارف، هو الذي تولى قسمتها سبحانه وتعالى، فمن خرج بمال الزكاة يريد أن يعطيها فقيراً، فوقعت في يد غني وهو لا يدري أنه غني، فهي زكاة مقبولة. وقعت في يد هاشمي، وهم لا تحل لهم الزكاة، فهي زكاة مقبولة. النية لها شأن عظيم عباد الله، حتى في التعامل مع الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، من حديث أبي هريرة: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». إذن صلاح النية سبب في قضاء الديون وتحصيل الأرزاق، والتلاعب والنية الفاسدة سبب في محق الخير والبركات ونزول العقوبات. ولا يخفى علينا جميعاً ما قصه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن أولئك القوم، أصحاب الجنة، أصحاب الحديقة، تواطئوا وتمالأوا على العمل السيء، أنهم يخرجون في الظلمة ويحصدون زرعهم، ويأخذون الزرع ولا يعطون للفقير والمسكين، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى بأن أحرق عليهم حديقتهم وأتلفها. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، أي: الحديقة، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. انظروا عباد الله كيف عاقبهم الله سبحانه وتعالى بسبب النية، ما منعوا المسكين، لكن نووا على حرمان الفقير والمسكين، فأتلف الله عز وجل عليهم ما لهم وأحرق زراعتهم. فهكذا إخواني بالله، شأن النية الصالحة والنية السيئة. فاحرصوا عباد الله على إخلاص العمل لله تبارك وتعالى، فالله غني حميد، غني عن أعمالنا، من صلاة وزكاة وصيام وحج وعمرة وبذل وإنفاق وجهاد وأقوال وأفعال. الله غني، ونحن الفقراء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. الله لا يقبل من تعابل معه إلا بأن يكون مخلصاً له سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث القدسي، عن الله تبارك وتعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». تعمل عملاً لله ولغيره، تركته وشركه، ما يقبل منك هذا العمل، ولا تثاب عليه. ويا ويله الإنسان يخرج كفافاً، لا له ولا عليه، إذن لهان الخط، لكن بدلاً من أن يؤجر يأثم ويؤزر. فالله الله إخواني في الله على إصلاح العمل وإخلاص النية لله تبارك وتعالى. ولولا خوف الإطالة سردنا هذا الحديث الذي تعرفونه، ولكن لا بأس بالتذكير: حديث أولئك الثلاثة الذين أحدهم أنفق، والثاني جاهد حتى قتل، والثالث تعلم القرآن وعلم العلم، فوقفوا بين يدي الله سبحانه وتعالى، عرفهم نعمة فعرفوها. فقال للأول، وقد من عليه بنعمة العلم وإتقان القرآن: «ماذا عملت بهذه النعمة؟» قال: يا رب، قرأت فيك القرآن وعلمته، وعلمت فيك العلم. قيل له: «كذبت، إنما قرأت ليقال قارئ، فقد قيل، وتعلمت ليقال عالم، فقد قيل». ثم أمر به فسحب على وجهه إلى النار. وقيل للمتصدق، عرفه نعمة فعرفها، ماذا عملت فيها؟ قال: يا رب، ما تركت سبيلاً تحب أن ينفق لك فيه إلا فعلته. قيل له: «لا، كذبت، إنما فعلت ليقال جواد، ليقال كريم، فقد قيل». ثم أمر به فسحب على وجهه إلى النار. وهكذا المجاهد: يا رب، قاتلت فيك حتى قتل. قيل له: «لا، قاتلت ليقال جرئ، ليقال شجاع، فقد قيل». ثم أمر به فسحب على وجهه إلى النار. فانظروا عباد الله، هذه الأعمال من أفضل العمل الصالح، لكن بسبب فساد النية كانوا من أول من تسعر بهم النار. فهذا يدلنا على أنه قد يكون بين الرجلين يعملان عملاً واحداً في ساحة الجهاد، هذا يقاتل وهذا يقاتل، بينهما كما بين السماء والأرض. هذا غني متصدق وهذا غني متصدق، بينهما كما بين السماء والأرض. هذا مصلي مع أخيه المسلم في صف واحد في موضع واحد وراء إمام واحد، وبينهما كما بين السماء والأرض. هذا معلم وهذا معلم، بينهما كما بين السماء والأرض. ما هو السبب في هذا الفرق الكبير وهذا البون الشاسع؟ إنه ما في القلب، إنه ما في القلب. فاحرصوا عباد الله على إصلاح نياتكم وإخلاص عملكم لله تبارك وتعالى. أسأل الله عز وجل للجميع التوفيق والسداد. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. واشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فالشرط الثاني عباد الله من شرط قبول العمل أن يكون صواباً على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال الفضيل بن عياض: العمل الحسن ما كان خالصاً صواباً. قيل له: ما خالصاً صواباً؟ قال: أن يكون خالصاً لوجه الله، صواباً على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهكذا لا يكفي عباد الله النية الحسنة، ثم ليعمل العبد ما شاء. لا، الله سبحانه وتعالى خلقنا لأجل العبادة، ثم لم يكل هذه العبادة إلى العباد أنهم يختارونها بأنفسهم، أو أنهم يسيرون إلى ربهم بحسب ما تمليه عليهم عقولهم القاصرة، أو أهواءهم المنحرفة، أو شهواتهم الهابطة. لا، الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فنحمد الله سبحانه وتعالى أن خلقنا للعبادة، وأمدنا بالسمع والبصر والفؤاد، وأعاننا بالقوة والصحة والفراغ، ثم لم يكل أمر العبادة إلى أنفسنا، بل أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وأبان السبيل، ووضح الطريق الذي توصل إلى الله سبحانه وتعالى، وتقود إلى مرضاته، وإلى نيل رحمته. فما على العباد إلا التسليم، الأمر جاهز وميسور على من يسره الله عليه. تريد أن تصل إلى ربك، لا تتعب نفسك بالتفكير كيف تصل إلى الله، لأن الله قد بيّن في كتابه سبحانه وتعالى، وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، بيّن لنا طريق الجنة من طريق النار، بيّن لنا العمل الصالح الذي يحبه الله ويرضاه. والأمر كما قال الزهري رحمه الله: «من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم». ما علينا عباد الله إلا أن نسلم وأن نعمل. فالعبادة توقيفية، يعني موقوفة على الدليل من القرآن والسنة. لا نعبد الله سبحانه وتعالى بالأذواق، ولا بالاستحسانات، ولا بالعادات، ولا بالعرف، ولا بالبدع، ولا بالأهواء، ولا بالخرافات، وإنما نعبد الله عز وجل على ما أرشدنا إليه في كتابه، وأرشدنا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد، ما تركنا هملاً، أو وكلنا إلى أنفسنا، بل بيّن لنا الطريق. فهكذا يا مسلم، يا عبد الله، احرص على إصلاح العمل بقدر حرصك على إصلاح النية. وهذا أمر عظيم، أن يجاهد العبد نفسه على إصلاح نيته لله تبارك وتعالى، احرص على أن تكمل هذا الحرص الأول بالحرص الثاني، على أن لا تعبد الله سبحانه وتعالى إلا بما شرع في كتابه، أو في سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالله أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. النبي صلى الله عليه وسلم بيّن ما أنزل الله إليه بياناً شافياً: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. بيّن عليه الصلاة والسلام للأمة أمر دينها، بقوله وبفعله وبإقراره، إما أن يكون ابتداء، أو جواباً عن سؤال. «تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك». فهكذا أيها المسلمون، عباد الله، احرص على تعلم ما بعث الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم، كيف تعمل العمل الصواب الذي هو على وفق السنة، وأنت بعيد وجاهل ومعرض عن تعلم الدين الذي بعث الله عز وجل به رسوله عليه الصلاة والسلام؟ فهذا يتطلب من كل مسلم أن يحرص على أن يتعلم دينه، لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. فهو الذي جعله الله عز وجل لنا إماماً وقدوة ومربياً وأسوة، عليه الصلاة والسلام، بأقواله وأفعاله وجميع أحواله، توزن جميع العقائد والأقوال والأعمال والأحوال. هكذا أمرنا ربنا تبارك وتعالى بطاعة رسوله، ورتب على ذلك الهداية والسلامة: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فاحرصوا عباد الله على أن يكون العمل على وفق السنة، لا بدع، ولا خرافات، ولا أهواء، ولا ضلالات، ولا انحرافات. لا يكفي عباد الله حسن النية، كما يظن كثير من الناس، يقول: «أنا طالما قلبي نظيف ونية خالصة لوجه الله، فالله كريم، كريم، ما يضيع عملي». نعم، الله كريم سبحانه وتعالى، لكن الله أمرك أن تطيع رسوله، وأن تتقرب إليه على وفق ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يدلنا على أنه لا تكفي النية الحسنة، حديث البراء بن عازب. انظروا عباد الله، قال البراء رضي الله عنه: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى، فقال: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا، أي ذبح ذبيحتنا الأضحية قبل الصلاة، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فليس له نسك، ومن ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، لا نسك له». قام خال البراء بن عازب، أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله، إني ذبحت شاتي وتغديت قبل أن آتي الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب وذكر لله، فأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي. جهل، فعجل وذبح الأضحية وأكل قبل أن يأتي إلى صلاة العيد. ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال له: «شاتك شاة لحم»، يعني هذه ليست بأضحية، لأنها وقعت في غير وقتها المشروع، فإن الأضحية لها شروط، ومن شروطها أن تقع في الوقت المجزئ، وهو بعد الصلاة. قال: «شاتك شاة لحم»، هذا لحم أكلت أنت وأولادك. قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقاً، وهي الصغيرة من المعز، حول الأربعة أشهر، فإن عندنا عناقاً هي أحب إلينا من شاتي، أفتجزي عني؟ وتعرفون في باب الماعز لا يجزي أقل من سنة. قال: «فإن عندنا عناقاً، أنثى المعز صغيرة، أربعة أشهر، أتجزي عني؟» قال: «نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك»، خصه بالجواز. فالشاهد من الحديث أن نية حسنة، لكن أوقع العبادة على خلاف شرطها، فلم تقبل منه هذه العبادة، صارت هذه النسيكة لحماً، وليست بأضحية مقبولة ولا مشروعة. تنبه يا مسلم، يا عبد الله، لا يكفي حسن النية، حتى تضيف إلى حسن النية صحة العمل وصواب العمل باتباع الشرع. جاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فأخبروا بها، فكأنهم تقالوها، فقالوا: «قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، عليه الصلاة والسلام». قال أحدهم: «أما أنا فأصلي الليل ولا أرقد». وقال الثاني: «أما أنا فأصوم ولا أفطر». وقال الثالث: «أما أنا فلا أتزوج النساء». جاء النبي صلى الله عليه وسلم، أخبروا بمقولة هؤلاء الثلاثة، فجاء إليهم، قال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟» قالوا: «نعم يا رسول الله». قال: «أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فمن رغب عن سنتي فليس مني». ما يكفي، هذا يريد أن يصوم الدهر كله وهو صائم ما يفطر، عمل كبير، أن يبقى الإنسان صائماً الحياة كلها. وهذا يريد أن يصلي الليل كله بدون نوم ولا راحة، عمل كبير. وهذا من إقباله على العبادة يريد أن يعتزل النساء، ومعلوم أن الله يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾، قدم النساء لأنها من الشهوات المحبوبة إلى الأنفس. هذا يريد أن يترك النساء تفرغاً لطاعة الله سبحانه وتعالى. انظروا، اجتهدوا من أنفسهم، أرادوا أن يتقربوا إلى الله بأعمال يظنوها صالحة، لكنها على خلاف السنة، قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». وهكذا كان الصحابة، وبهذا نختم. هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم معلمين الناس إتقان العمل وتكميل العمل بإخلاص النية والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. ففي الدارمي وغيره، أن ابن مسعود جاء على حلق في المسجد، على كل حلقة رجل، بأيديهم حصى، يقول لهم: «سبحوا مائة»، فيسبحون بهذا الحصى مائة، «كبروا مائة»، فيكبرون مائة، «هللوا مائة»، فيهللون مائة. فجاء إليهم، قال: «ماذا تصنعون؟» قالوا: «حصى نعد به التكبير والتسبيح والتحميد والتهليل». قال: «هلا عددتم سيئاتكم، وأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد، هؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبلَ، وهذه آنيته لم تكسر، إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم، أو إنكم مفتتحوا باب ضلالة». قالوا: «يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير». قال: «وكم من مريد للخير لا يدركه، ليس كل من أراد الخير يصل إليه، لا بد أن نأتي البيوت من أبوابها». ثم قال: «إن نبينا صلى الله عليه وسلم حدثنا أن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، وما أظنكم إلا منهم». انظر إلى سيئة البدع كيف تجرهم إلى بدع أغلب وأكبر. قال