الدرس في شرح المنظومة البيقونية 2، ألقاها
يبدأ الشرح بالحديث عن بداية منظومة البيقونية بالحمد والصلاة على النبي، ويبين أهمية البدء بالحمد في التأليف والخطابة.
يتناول الشرح تعريف الحديث الصحيح وفقًا للمنظومة العلمية، ويشترط فيه الاتصال والعدالة والضبط وعدم الشذوذ أو العلل.
يُطبق الشرح شروط الحديث الصحيح على مثال حديث رواه البخاري، لتوضيح كيفية التحقق من صحة الحديث.
يفرق الشرح بين القول بصحة الحديث وتمام سلسلة نسبته إلى النبي، ويشير إلى أن هذا الموضوع سيتم التوسع فيه في كتاب آخر.
أَحْمَدُكَ كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيكَ مَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ. قَالَ الْبِيقُونِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَنْظُومَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِالْبَيْقُونِيَّةِ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: أَبْدَأُ بِالْحَمْدِ مُصَلِيًا عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ نَبِيٍّ أُرْسِلَ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَبْدَأُ بِالْحَمْدِ مُصَلِيًا" فِيهِ الْبَدْءُ بِالْحَمْدِ لَهُ، وَالْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي كُتُبِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَبْدَأُ كِتَابَهُ وَيَسْتَفْتِحُ كِتَابَهُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَفْتِحُ كِتَابَهُ بِالْحَمْدِ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَفْتِحُ كِتَابَهُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدِ لَهُ. فَالْبِيقُونِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مِمَّنِ افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالْحَمْدِ لَهُ، أَيْ بِالْحَمْدِ للهِ. قَوْلُهُ: "أَبْدَأُ بِالْحَمْدِ" أَيْ بِالْحَمْدِ للهِ، فَهُوَ ابْتَدَأَ كِتَابَهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بِالْحَمْدِ للهِ. وَكَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْتَتِحُ خُطْبَةَ، وَكَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ أَنَّهُمْ إِذَا بَدَأُوا خُطَبَهُمْ أَنْ يَسْتَفْتِحُوا بِالْحَمْدِ لَهُ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "مُصَلِيًا" هَذِهِ حَالٌ، فَهُوَ يَقُولُ: أَنَا أَبْدَأُ بِالْحَمْدِ للهِ حَالَ كَوْنِي مُصَلِيًا. وَهُوَ كَذَلِكَ بِهَذَا الصَّنِيعِ وَهَذَا الْفِعْلِ أَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ كِتَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ نَبِيٍّ أُرْسِلَ" وَقَوْلُهُ: "خَيْرِ نَبِيٍّ" هُوَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ"، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، فَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَذِي مِنْ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ عَدَدَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَتَى وَحْدَهُ" قَوْلُهُ: "وَذِي" أَلُوَاءُ حَرْفُ عَطْفٍ، وَ"ذِي" اسْمُ إِشَارَةٍ. وَقَوْلُهُ: "مِنْ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ" عَدَّهَا، أَيْ جَعَلَهَا عَدَدًا. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنْ أَقْسَامِ الْحَدِيثِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبْ أَقْسَامَ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ وَهُوَ مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ وَلَمْ يَشُذَّ أَوْ يَعِلَّ، يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ، مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِهِ". قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ" أَيْ أَوَّلُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِحَسَبِ تَعْبِيرِ النَّاظِمِ. وَالْأَوْلَى وَالْأَصْوَبُ أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ. وَهُوَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَيْ ابْتَدَأَ بِتَعْرِيفِ الصَّحِيحِ لِأُمُورٍ، مِنْهَا أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ لِذَاتِهِ فِي هَذَا الْفَنِّ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَهُوَ مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ" أَيْ الْحَدِيثُ الْمُتَّصِلُ هُوَ الَّذِي اتَّصَلَ سَنَدُهُ بِأَنْ يَتَحَمَّلَ كُلُّ رَاوٍ مِنَ الرُّوَاةِ الَّذِي يَلِيهِ تَحَمُّلًا صَحِيحًا. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ" قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي تَعْرِيفِ الْعَدَالَةِ: أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ مَنْ ظَاهِرُهُ السَّلَامَةُ، وَكَانَتْ مَحَاسِنُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَسَاوِئِهِ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِهِ" أَيْ أَنَّهُ مُعْتَمَدٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ عَائِدَةٌ إِلَى عُلَمَاءِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَوَّلُهَا الصَّحِيحُ" وَهُوَ مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ، وَلَمْ يَشُذَّ أَوْ يَعِلَّ، يَرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثْلِهِ، مُعْتَمَدٌ فِي ضَبْطِهِ وَنَقْلِهِ. فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِيهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ وُجُودِيَّةٍ، وَشَرْطَانِ عَدَمِيَانِ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ عَدْلًا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ ضَابِطًا. وَهَذِهِ شُرُوطٌ وُجُودِيَّةٌ. وَالشَّرْطَانِ الْعَدَمِيَانِ: أَنْ لَا يَكُونَ شَاذًّا، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُعَلَّلًا. فَإِذَا عُلِمَ هَذَا، نُطَبِّقُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى مِثَالٍ، نَذْكُرُهُ بِإِذْنِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا. مَثَلًا حَدِيثٍ نَقُولُ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. فَالْآنَ نَنْظُرُ: الشَّرْطُ الْأَوَّلُ مَتَوَفِّرٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ الِاتِّصَالُ. يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ثِقَةٌ، وَالْعُلَمَاءُ إِذَا أَطْلَقُوا الثِّقَةَ عَلَى الرَّاوِي، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ ضَابِطٌ وَعَدْلٌ. مَالِكٌ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَجِلَّةِ. نَافِعٌ ثِقَةٌ. ابْنُ عُمَرَ صَحَابِيٌّ. فَتَوَفَّرَ عِنْدَنَا أَنَّ رَاوِيَهُ عَدْلٌ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى آخِرِهِ. وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ شَاذًّا. وَالشَّاذُّ هُوَ مُخَالَفَةُ الرَّاوِي الْمَقْبُولِ لِمَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ. وَهَذَا لَيْسَ بِشَاذٍّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ. وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُعَلَّلًا. وَلَيْسَ بِمُعَلَّلٍ، لِأَنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ. فَتَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ، فَحَكَمْنَا عَلَى الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَهَاهُنَا تَنْبِيهٌ: وَإِنْ كَانَ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى بِكِتَابٍ أَكْبَرِ وَأَوْسَعِ، أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِذَا رَوَاهُ نَقُولُ: صَحِيحٌ، وَنَحْنُ مَا نَعْنِي بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّنَا مُطْمَئِنُّونَ إِلَى صِحَّتِهِ. وَلَكِنْ إِذَا كَانَ مَثَلًا هُنَا بَدَلَ الْبُخَارِيِّ أَبُو دَاوُدَ، فَهَلْ نَقُولُ: صَحِيحٌ؟ أَوْ نَقُولُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ؟ هَذَا فَرْقٌ بَيْنَ التَّعْبِيرَيْنِ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي كِتَابٍ آخَرَ بِإِذْنِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا.