الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يشرح عبارة ابن قدامة حول إثبات المتشابه لفظا وترك التعرض لمعناه، ويناقش آراء العلماء حول هذه العبارة. يوضح أن العلماء اختلفوا في تفسير هذه العبارة وما إذا كانت تؤول إلى التفويض أم لا.
القرآن كله محكم من حيث الإتقان والإحسان، وكله متشابه من حيث التشابه في المعاني والألفاظ. بعض الآيات قد تكون متشابهة لعدم وضوح دلالتها لدى بعض الناس، ويتعامل العلماء معها بالرجوع إلى الآيات المحكمة.
أهل السنة يؤمنون بالآيات المتشابهة ولا يعملون بها حتى يردوها إلى المحكم، بينما أهل البدع يتشبثون بالمتشابه لابتغاء الفتنة. هذا النهج هو ما كان عليه السلف الصالح، حيث يعملون بالمحكم ويؤمنون بالمتشابه.
يناقش كيفية التعامل مع الآيات المتشابهة والمحكمة، ويحذر من إدخال الأسماء والصفات في المتشابه كما يفعل أهل البدع. يؤكد أن هذا الباب من الأبواب المحكمة التي دلالتها واضحة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصل إخواني في الله حول ما نحن بصدده في لمعة الاعتقاد، وكان الكلام في آخر ما وقفنا عليه في قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه»، وبينا المأخذ المأخوذ من هذه العبارة، ما المقصود بأنك تؤمن باللفظ وعدم التعرض للمعنى؟ كانت هذه اللفظة من المآخذ القليلة التي أخذت على ابن قدامة رحمه الله تعالى في هذه الرسالة الموسومة بلمعة الاعتقاد، وتنازع العلماء حول المحمل الذي تحمل عليه هذه اللفظة، ومنهم من حمل اللفظة على ظاهرها، وأنها تصب في مصب المفوضة، حتى أن بعضهم ألصق المؤلف بهم، وقال أنهم مفوضة، أنه مفوضة يقول بالتفويض، وأننا لا ندافع عنه في هذه الزلة العظيمة، وفي هذا الخطأ الفادح، فوسم بالتفويض هذا عند بعض العلماء. وجمعه وهو الطرف الثاني وهو الوسط في هذه العبارة، من دافع عن المؤلف صرح بأن هذا خطأ، وأن نعمه من عبارات أهل التفويض، لكن المؤلف حاشاه من التفويض، وإنما أخطأ في التعبير، فهي العبارة خطأ ينبغي أن تعدل، ولا ينبغي أن تترك من غير تعقيب، إلا أن المؤلف لا نطعن فيه ولا نغمز فيه، فهو من أئمة السنة. المذهب الثالث وهو من دافع ونافع عن المؤلف رحمه الله تعالى، بل وجعل له المبريرات، وأتى له بالمحامل الحسنة التي تخرج هذه العبارة بأحسن الوجوه، فمنهم من قال أن المؤلف رحمه الله تعالى عني بقوله «وترك التعرض لمعنى» أي ترك التعرض للكيفية، وهذا الذي يقول به أهل السنة، وجماعة يقولون أن المؤلف أراد هذا المعنى، أراد المعنى هنا أي معنى الكيفية. وهذا وإن كان دفاعا ضعيف نوعا ما، لأن سياق العبارة لا يتسعفه، وهناك من دافع عنه بقوله أن هذه العبارة للمؤلف رحمه الله تعالى من العبارات المشكلة، من العبارات المشكلة الغير واضحة، لكن الكتب التي قد ألف المؤلف رحمه الله تعالى في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة توضح صحة المنهج، وصحة العقيدة، وأن هذه العبارة المشبهة أو المشكلة ترجع المحكم من كتبه، فتوافق الجميع، ويتوافق الجميع، ونخرج المؤلف بأحسن الوجوه، وأنه لا زال من أئمة السنة. الدفاع الثالث، المحمل الثالث، والذي جنح إليه ابن عثيمين رحمه الله تعالى في شرحه، قد دافع ونافع عن المؤلف، وبيّن رحمه الله تعالى أن هذا الباب باب الأسماء والصفات، أنه على قسمين اثنين، إما واضح جلي، أو مشكل خفي، باب الأسماء والصفات إما منهم هو واضح جلي، ومنهم هو مشكل خفي، الواضح الجلي دلالة واضحة ينبغي أن نثبته لفظا ومعنى. وأما المشكل الخفي الذي يكون خفاه عند بعض الناس، هذا نعم يتوقف عند معناه، قال وعلى هذا تحمل عبارة المؤلف، أن المؤلف قصد بقوله «وترك التعرض لمعنى» في حق الذي يشكل عليه هذا الباب، ما يعرف ما المقصود، فإذا لا تعق لا تخوض فيما لا تحسنه، إنما قف عند الذي تعلمه. فابن عثيمين جانح إلى الدفاع عن المؤلف رحمه الله تعالى، في ثلاثة مذاهب، مذهب من رماه بالتفويض، ومنهم من تركه على السنة مع خطأ العبارة، ومنهم من دافع عن العبارة، وأن العبارة لا غبار عليها، وذكر له عدة محامل، ولعل القول الثاني والثالث والأوجه. أما رمي المؤلف بأنهم مفوضة ينظر فيها، ينظر فيها أولا لأن هذه العبارة نعم جاءت من بعض العلماء، لكن من المتأخرين، بينما القدامى القدامى ممن عاصر المؤلف وبعد عهده وعصره، ممن ترجم له كلهم شهدوا له بحسن الاعتقاد، كلهم شهدوا له بحسن الاعتقاد. فلو كان التفويض عنده جابة لنيبزه العلماء نبزوه، ولربما حذروا من كتبه، أو لربما أشاروا إلى المذهب الذي وقع فيه المذهب الرديء، لكن ما سمعنا أحد من القدامى، وقد مرت معنا في تراجم، ثناء العلماء على ابن قدامة، منهم من أثنى عليه في باب العقيدة، وذكرنا من ذلك ترجمة ابن رجب رحمه الله تعالى، حيث شهد له أنه قد صنف المصنفات الممتعة في باب الاعتقاد، وحسن العقيدة. حتى قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «صنف الشيخ الموفق رحمه الله التصانيف الكثيرة الحسنة في المذهب، فروعا وأصولا، في الحديث واللغة والزهد والرقائق، وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن»، ما عرجوا على مسألة التفويض، حتى نرميه بأنهم مفوضة، فأقول نعم حكم عليه بعض العلماء بأنهم مفوضة، لكن ينظر في هذه التهمة، وخاصة قد جاءت من بعض المتأخرين، على خلاف غرار المتقدمين ممن ترجموا فيه بتراجم البديعة، والثناء على عقيدته. فالحاصل إخواننا في الله، نعم عبارة فيها لبس، فلكن تعدى، والشيخ محمد بن رحيم آل الشيخ رحمه الله تعالى عقب على هذه اللفظة، لكنه شهد لابن قدامة بالإمامة، شهد له بالإمامة، لكن مع تخطئة هذا الموطن، وما رمزه بأنهم مفوضة. قال رحمه الله تعالى: «وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونرد عهدته إلى على ناقله، اتباعا لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وقال في ذم مبتغ التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقارنه بابتغاء الفتنة في الذنب، ثم حجبهم عما أمّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾». هذه العبارة إخواني، فلا نعرج عليها على عجلة، لأنها تحت مباحث كثيرة وطويلة، وليس المقام مقام التفصيل في هذا الباب، لكن حسبنا نشير إلى ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى، أن المؤلف ذكر حال الناس إزاء ما أشكل من كلام الله سبحانه وتعالى، حيال ما أشكل من كلام الله سبحانه وتعالى. وقبل الدخول في ذكر مواقف الناس إزاء ما أشكل من كلام الله في كتابه الكريم، نبين إخواني في الله ما يتعلق بهذه الألفاظ، لفظ المتشابه، ولفظ المحكم، تنازع الناس من الطوائف والفرق والمِلل والنحل في معرفة ما هي المحكم، وما هي المتشابه الموجود في كتاب الله سبحانه وتعالى. قسم العلماء المحكم والمتشابه بهذه الأقسام الثلاث: القرآن كله محكم، القرآن كله متشابه، القرآن منه محكم ومنه متشابه، وهذه القسمة الثلاثية جاء ذكرها في كتاب الله سبحانه وتعالى، تجد أن من النصوص القرآنية ما فيه الحكم على القرآن بأنه برمته كله محكم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، حكم ربنا على هذا الكتاب أنه قد أحكمت آياته. وأحيانا في بعض النصوص أن الله جل وعلا أخبر أن هذا الكتاب متشابه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، فما معنى المحكم بأن القرآن كله محكم؟ وبما أنه كله متشابه؟ ليختلف، قال العلماء: المقصود بقول ربنا جل وعلا بأن القرآن كتاب أحكمت آياته، أحكم هنا الحكم بمعنى الإتقان، بمعنى الإحسان، فالقرآن بهذا الاعتبار كله متقن، كله محكم، غاية في الفصاحة، غاية في الدقة والبلاغة. كتاب ليس فيه التناقض، لا فيه اعتراض من أوله إلى آخره، مهما قلبت كتاب الله جل وعلا لن تجد فيه خللا ولا عيبا ولا نقصا ولا شيئا من ذلك، بخلاف كتب البشر، فكتاب قد أحكمت آياته، إحكام هنا بمعنى الإتقان والإحسان، فهذا نعم لا إشكال في ذلك. الصورة الثانية أن القرآن حكم عليه بأنه متشابه، ما معنى المتشابه هنا؟ المتشابه بمعنى التشابه، بمعنى التشابه، فالقرآن يشبه بعضه بعضا، تجد في أول القرآن هنا وصف الجنة، تجد في وسط القرآن وصف الجنة، في أول القرآن قصة نبي، في وسطه قصة نبي، قصة نبي، أمر، أمر، أمر، نهي، نهي، نهي، فالقرآن يشبه بعضه بعضا من باب التأكيد، اللهم هذا التشابه فيه زيادة في الاختصار، أو فيه زيادة في التفصيل يختلف، التشابه من حال إلى حال، لكن هو متشابه من هذا الباب، أن بعضه يشبه بعض، بعضه يشبه بعض. فالقرآن هو كله محكم بصفاته متقن للصنعة والإتقان والإحسان، وهو كذلك كله متشابه لأنه يشبه بعضه بعضا، إذن لا إشكال، نأتي إلى الصورة الثالثة، وهذا الذي وقع فيه الاضطراب، واحتد فيه النقاش مع أهل البدع، مع أهل السنة، كيف أن القرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه؟ وهذا في الآية الشهيرة التي بين أيدينا من سورة آل عمران، فربنا أخبر أن القرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، كيف هذا؟ هذا طبعا مسألة طويلة، والعلماء في التفسير، وكذلك علماء الأصول لهم تعاريف، لكن اختصار التعاريف أن المقصود أن القرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، ما معنى المحكم هنا؟ معنى المحكم مطبخ دلالته، ما اتضحت دلالته، وأن المتشابه ما لم تتضح دلالته. هذا باختصار معنى القرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، فمن القرآن ما هو محكم بمعنى أن دلالته واضحة، دلالته اقترنت على آيات، حرمت عليكم الميتة، ما تحتاج إلى بسط أو فك رموز، الميتة حرام، حرام في تناولية القنزير والمحرمات والكبائر الذنوب والمعاصي، وأن الله فرض الصلاة، أوامر موجودة في كتاب الله، أخبار موجودة في كتاب الله، واضحة دلالتها، واضحة. لكن أحيانا القارئ لكتاب الله جل وعلا يجد آيات دلالتها غير واضحة، دلالتها غير واضحة، وهذا الذي يسميه العلماء بالمتشابه، بالمتشابه، أي أن الناظر يقرأ ما يفهم، يرى أنه فيه إشكال عنده في قراءة القرآن في هذه اللفظة المر عليها، وحينها نبين مسألة هذا الذي يسميه العلماء بالمتشابه، وهو الذي لم تطضح دلالته. علينا أن نعلم أن المقصود بالمتشابه لأن المتشابه على قسمين، متشابه إضافي نسبي، ومتشابه مطلق، ونعني بالمتشابه المطلق ما لا يعلم به إلا الله جل في علا، مثل علم الغيب، من الذي يعلم علم الغيب؟ لا أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا أحد من البشر، فهذه يسمى متشابه مطلق، فينبغي أن نعلم لا يوجد شيء في القرآن اسمه تشابه مطلق، ما يمكن أنك تأتي بآية من قرآن من كتاب الله، وتعرضها على الأمة بأسرها، ما معنى هذا؟ الله أعلم، إلى كبار العلماء، إلى كبار المفسرين، إلى كل أحد، ما أحد يعلم معنى هذا. لا يوجد ما عندنا في القرآن تشابه مطلق قط، لا هناك عندنا تشابه نسبي، ما مع التشابه النسبي؟ التشابه النسبة أن يقع هذا اللبس عند بعض الناس، عند بعض الناس، قد يقرأ بعض الناس آية، يقول هذه آية ما فهمت، يعني كيف إيش معنى هذه الآية؟ يعني فيه نوع يرى أن يقع فيها مثلا حتى كما قال بعض العلماء: أن بعض الناس لو ربما إذا قرأ القرآن يقع فيه إشكال، يرى أن هذه الآية ظاهرة فيها طعن في الله مثلا، أو بعض الآيات فيها طعن في الرسول، أو بعض الآيات فيها تنقص من الدين، يقول كيف هذا؟ فهذا نعم هذا المتشابه يوجد عند بعض الناس، لكن انظر عند بعض الناس، ليس عند كل الناس، وهذا يسميه العلماء بالمتشابه النسبي، بالمتشابه الإضافي، أن بعض الناس عنده بعض الآيات لا تتضح الدلالة عنده، لا تتضح الدلالة عنده، يوجد هذا، وهذا كما يقع إما لعموم الدلائل، إما لقصر علم الناظر في كتاب الله سبحانه وتعالى، لهذا ملابسات، وليس هذا مقام ذكر الملابسات التي توقع الناس في عدم اتضاح الدلالة لهم. طيب إذن علمنا بهذا الأصول يا إخواني في الله، أن القرآن كله محكم باعتبار إتقان، كله متشابه بمعنى التشابه في الفاضي ومعانيه، والقرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، وكما قلنا هذا بمعنى ما لم تتضح دلالته، يوجد هذا في كتاب الله عز وجل، لكن إضافة نسبية، أو تشابه نسبي عند بعض الناس. طيب نأتي الآن والمؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة، قال رحمه الله تعالى: «اتباعا لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عليهم في كتابه»، هنا المؤلف رحمه الله تعالى يبين لنا ما هو العمل، كيف نتعامل مع هذه الآيات إذا علمنا بهذا بنص القرآن، إذا علمنا أن هناك آيات في القرآن محكمة، وبالمقابل عنده آيات في القرآن متشابه، معنى متشابه، أي أن دلالتها لم تضح لقارئها، ما هو العمل؟ كيف الحكم؟ بيّن ربنا جل وعلا في كتابه، وهكذا المؤلف بيّن الناس على قسمين اثنين، أهل الرسوخ في العلم، وأهل الزيغ والضلال، قال رحمه الله تعالى: «قال الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾»، فأهل الرسوخ في العلم لهم طريقة واحدة في التعامل مع المتشابه المحكم، لا إشكال فيه، دلالته واضحة، دلالة المعنى لا إشكال فيه. أهل العلماء، أهل العلم وأهل الرسوخ يتعاملون مع الآيات المتشابهة الذي لم تضح دلالتها، أنهم أولا يعترفون أن الكل من عند الله، هذا من عند الله آمنا به، وهذا من عند الله آمنا به، ثم بعد ذلك يرجعون المتشابه إلى المحكم، انتبه لهذه الطريقة، يرجعون المتشابه إلى المحكم، حتى يعود الكل محكما. فإذا وجد لفظة ما هي واضحة عند قارئ، بعض الناس آية ما هي واضحة الدلالة، فإن العلماء يسحبونها إلى ما هو دلالته واضحة، يقول هذا من هذا، فأفهم هذا من هذا، فأفهم، ولا تضطر في الموضوع، لا تجعل كتاب الله معلق على هذا الحال، هذه آية ما هي واضحة، إذن هذا القرآن فيه تناقض، القرآن فيه لبس، كما يفعل أهل الاستشراق وأهل الزندقة، لا ليس هذا في كتاب الله. ما أشكل عليك يا عبد الله لقصور علمك، ما عرفت الدلالة منه، فلا أقل أنك تسحب هذه الآية التي لم تتضح دلالتها إلى الآية المحكمة التي دلالتها الواضحة، فيكون الجميع كله محكما، هذا على خلاف ما يفعله أهل الزيغ والضلال، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقال في ذم مبتغ التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقارنه بابتغاء الفتنة في الذنب». إذن فعل أهل البدع وأهل أهواء ومرضى القلوب، أنهم عند الآيات المتشابهة يركنوا إليها، يركنوا إليها، بدل أنهم يعيدوها للمحكم، لا نبقيها، ابقوها على المتشابه، لما؟ حتى يتسنى لهم الفتنة، وحتى يتسنى لهم إدخال ما أرادوا من اللبس والبدع والهوى والكفر تحت آيات المتشابه. ذكر الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام، المقالات البديعة التي بيّن فيها رحمه الله تعالى كيف أن من أعظم طرق المبتدعة وأهل الضلال، أنهم يتشبثون بالمتشابه، ويدعون المحكم، وهذا سبحان الله على خلاف ما أمر الله، أمر الله جل وعلا بالتمسك بالمحكم، وترك المتشابه، ورده إلى المحكم، لكن أهل بدع خلاف ذلك، يأخذون بالآيات المتشابهة، يأخذون بها، يتعبدون الله جل وعلا بها، مع الإشكال الذي فيها. حتى ذكر رحمه الله تعالى أن بعض النصارى لربما يستدلون بالقرآن على أن عيسى ابن الله، من آيات من القرآن مما تشابه من كتاب الله، وذكر رحمه الله تعالى أن بعض بني إسرائيل يظن من نفسه أن القرآن حكم على بني إسرائيل أنهم أفضل من أمة محمد، وذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وذكر الشاطبي رحمه الله تعالى أن من الناس من كان يظن على أن الله جل وعلا سيدخل أهل الكفر الجنة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. دالات الاقتران كلهم جعلهم الله من أهل الإيمان، وكلهم من أهل الجنة، عوذوا بالله، هذا من أين جاء؟ جاء من الذي أخذ بالمتشابه من كتاب الله جل وعلا، نعم هذه الآية الذي لا يحسن التفسير يقول هذه نعم آية متشابهة، ربنا حكم على الجميع أن يصف أهل الإيمان، كلهم من أهل الجنة، وهذا ثم عرج رحمه الله تعالى بذكر معه الخوارج والقدرية والمعتزلة، بل حتى الحلولية ممن يظن أن الله يحل في مخلوقاته، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا. استطاعوا أن يأخذوا بآيات من كتاب الله، لكنها من المتشابه، لم تطلح دلالتها، ولو أنهم ردوا هذا المتشابه للمحكم لانتفى تلكم العلة، وانتفى ذاكم المذهب الذي بنوه من هذه الآيات، وبهذا نعلم إخواني في الله أن ليس كل مستدل بآية من قرآن من كتاب الله تقبل، لا ليس كل مستدل، لا بد أن تكون الدلالة فيه واضحة، وإلا فإنها البدع استطاعوا أن يستنبطوا الآيات الكثيرة من كتاب الله، لكنها من المتشابه. الخوارج ركنوا على تلكم الآيات التي فيها «خالدين فيها أبدا»، حكموا على كل ذنب ختم بالخلود في النار، أن صاحبه قد كفر، وخرج من الدين، وخرج من الملة، فالحاصل إخواني في الله أن المتشابه من عقيدة أهل السنة والجماعة، أن المتشابه أصله أن نؤمن به، كل من عند ربنا، ومع ذلك كما قال علماء لا نعمل به، المتشابه مما تشابه عند ناظره، لا يعمل به، وإنما يرجع إلى محكمه، حتى يكون الكل محكما، فيعمل بالإحكام. إذن ولهذا أثر ذلك عن سلفنا الصالح، قال الضحاك رحمه الله تعالى: «قال نعمل بالمحكم، ونؤمن به، ونؤمن بالمتشابه، ولا نعمل به، وكل من عند ربنا»، هذه عقيدة عند أهل السنة والجماعة، الإيمان بالمحكم، الإيمان بالمتشابه، العمل بالمحكم، لا نعمل بالمتشابه، لأنه شيء متشابه عندها، فكيف ستعمل بشيء لم تضف دلالته؟ حتى ترجع هذا المتشابه إلى المحكم. وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن أهل السنة، وعن السلف، قال رحمه الله تعالى: «وقد قال كثير من السلف: إن المحكمة ما يعمل به، والمتشابه ما يؤمن به، ما يؤمن به، ولا يعمل به، ما يؤمن به، ولا يعمل به»، فالمتشابه لا يعمل به في تشابهه، وهذا كما قلنا تشابه نسبي، بعض الآيات تشابه عند بعض الناس، فهذا يلزم بالإيمان به، وثم إرجاعه إلى المحكم، حتى يكون كله محكما. وبهذا قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى بكلام بديع، يبين فيه رحمه الله تعالى ما عليه هذه الفرق، فرقة الراسخين في العلم في تعامله مع المتشابه، وما عليه أهل بدع في تعامله مع المتشابه، قال رحمه الله تعالى: «فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم، يتتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة، طالبا للفتنة، وتحريفا لكتابه، وتأويلا على مشاربهم ومذاهبهم، ليضلوا ويضلوا». وأما أهل العلم الراسخون فيه، فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأن كله حق، محكمه ومتشابه، وأن الحق لا يتناقض، ولا يختلف، فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردون إليها المتشابه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم، وهذا قيد بديع، المتشابه تحصل فيه للطراب في حق من ناقص العلم. أما الذي عنده الأهلية في كتاب الله، وعنده علم ما عنده شيء متشابه، لكن أحيانا نعم يقع التشابه عند بعض الناس، قال: «ويردون إليها المتشابه الذي يحصل فيه الحيرة لناقص العلم، وناقص المعرفة، فيردون المتشابه إلى المحكم، فيعود كله محكما، فيرجع القرآن كله محكما»، وقد يقول قال: «إذن لماذا جعل ربنا بعض الآيات متشابه؟» قال علماء: «ذلك من باب الإبتلاء»، ذلك من باب الإبتلاء. فالحاصل إخواني في الله، المؤلفة رحمه الله تعالى ذكر ما يتعلق بحال الناس، أو علمنا ما يتعلق بما معنى المحكم، وما معنى المتشابه، وما هي الطريقة التي ينبغي أن يرجع فيها التشابه عند المحكم، وهذا من فعل أهل السنة والجماعة، بل بعض العلماء يذكروا أحاديث عن رسول الله تؤيد هذا المعنى. فقد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة، قال: «من طريق عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال عليه الصلاة والسلام: "إن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه عليكم فآمنوا به"»، وهذا قضية المحكم والمتشابه، قال عليه الصلاة والسلام: «فما عرفتم منه فاعملوا به»، العمل مناط بالمعرف والعلم، ما علمته فاعمل به. قال: «وما تشابه عليكم فآمنوا به»، فالمحكم جاء لتؤمن به، كل من عند ربنا، وهناك رواية يحسنها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليق المسلم، بلفظ: «قال وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه»، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه، ويحملون إلى عالمه، أي إلى محكمه. فالحاصل إخواني في الله، فهذا الباب من الأبواب الذي ينبغي أن يتفطن لها المسلم، وخاصة أن الكثير من أهل البدع يستخدمون هذه الآيات في باب الأسماء والصفات، وهذه مسألة أخرى، مسألة أخرى أن نبع عليها، أن بعض الناس خاصة المفوضة والمؤولة والمشبهة والمعطلة، إذا جاءوا عند باب الأسماء والصفات، سرعان ما رفعوا لك راية المتشابه، متشابه، يقي الاستواء، انتبه، آيات المتشابه لا تخوض فيها. وهذا عجيب، الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى له عبارة يقول رحمه الله تعالى: «قال وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض من ذلك في التشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، فما أعلم أحد من السلف من سلف الأمة، ولا أحد من الأئمة، لا أحمد ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه»، أي أن هذه بدعة محدثة من طرائق أهل البدع، أن خوفوا الناس، فأدخلوا باب الأسماء وصفات في المتشابه، وأقلقوا عليه الباب، وألزموا الناس بترك الخوض فيه. فإذا سئلت عن الاستواء، الله أعلم، بل يدهم مبسوطة، الله أعلم، تسأل عن علم الله السميع البصير القدير الرحيم الغفور، الله أعلم، الله أعلم، لا تدري به، لأن هذا متشابه كما زعموا، وطبعا وقد مر معنا أن مذهب المفوضة كما قال شيخ الإسلام من شر أقوال أهل البدع، من شر أقوال أهل البدع، بل هذا الباب من الأبواب المحكمة التي دلالتها واضحة، أنزلها ربنا جل وعلا بلسان عربي مبين. فهذا أخواني في لما يتعلق بعبارة المؤلف رحمه الله تعالى، وما يتعلق بموقف الناس إذا ما أشكل من الآيات في هذا الباب، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.